الأربعاء، 3 نوفمبر 2010

المسرح الواقعي المصري

ولد المسرح المصري الحديث كابن غير شرعي للمسرح الفرنسي في القرن التاسع عشر..وذلك عن طريق حركة الترجمة النشطة التي قام بها المهاجرون الشوام لنقل روائع المسرح الفرنسي الى اللغة العربية. وبطبيعة الحال فقد تطور الامر من الترجمة الحرفية الى التعريب ثم كخطوة تالية الى الاقتباس ..وقتها كان المسرح الاوروبي عموما والفرنسي بصفة خاصة يهتم بمعالجة المشكلات الانسانية والاخلاقية العامة عن طريق مزجها بالتراث والاساطير الشعبية والشخصيات التاريخية في نسيج شديد الاصالة والخصوصية .. لذا فقد ظلت هناك الحاجة الملحة الى مسرح جديد.. مسرح يحمل مضمونا اكثر واقعية ويجسده ابطال من التراث الشعبي المصري.. فكان ظهور ما عرف بالمسرح الواقعي الرمزي والذي كانت بدايته بداية نقدية فرضتها الظروف السياسية والاجتماعية المتغيرة في اوائل الخمسينات. وبعد ان كان المسرح يرتدي في اغلب الاحيان ثوب الملهاة والذي كان
الواقع السياسي والاجتماعي مجرد مكون من مكوناته السردية .. اصبح هناك مسرحا يعني اساسا بالصراعات السياسية وانعكاستها على المجتمع في صورة صراعات انسانية لا تقل عنها خطورة .. إلا ان ذلك المسرح الجديد ( الواقعي ) بطبيعة الحال لم يجد تسامحا من السلطة والتي كانت هي المعنية اساسا بالنقد .. لذا لجأ كتابنا الواقعيون الى الرمزية حينا وعدم المباشرة احيانا اخرى ز وفي حالة خاصة الى مسرح اللامعقول كما عند توفيق الحكيم . ولم تتعارض جدية الموضوعات التي اختاروا ان يناقشوها في ادبهم المسرحي مع محاولة الاقتراب من شكل الكوميديا الشعبية المصرية بما فيها من وسائل إضحاك وذلك تشويقا للجمهور وإغراء له بالقبال على مشاهدة تلك المسرحيات.. بل ويمكننا القول ان التيار الواقعي الرمزي في المسرح المصري قد جروء على تقديم تنازلا اعتبره البعض من كهنة الادب وقتها انحطاطا بالمسرح بل وبالادب عموما الا وهو استخدام اللهجة العامية العادية كلغة لحوار المسرحي وكان الهدف من ذلك طبعا هو محاولة الوصول بأقصر الطرق الى عقل ووجدان السواد الاعظم من جمهور المشاهدين كانت الافكار وليدة العصر .. لذا كان الاتجاه للهجة العامية في الحوار هو الانسب لأدب مسرحي واقعي معاصر يذيب الفوارق بين الطبقات وبما يبدو منسجما مع ما كانت تنحو اليه الحياه المتمذهبة بالأشتراكية . وعلى الرغم من ذلك .. لم تستطع تلك الاعمال الافلات تماما من تأثير أعلام المسرح الغربي امثال بريخت – يونسكو – بيكيت بصورة او بأخرى .. الا انها جميعا قد اشتركت في الاهتمام بعنصر الالتزام ( والذي يقع منه مسرح جان بول سارتر موقع الريادة ) والذي عنى بتناول القضايا السياسية والمشكلات الوطنية من خلال وجهة نظر معاصرة تعبر عنها مشاعر ونماذج انسانية بسيطة ولكنها بالغة العمق في الوقت ذاته . وهكذا اخذت في الظهور مسرحيات مثل ( الناس اللي تحت ) لنعمان عاشور .. ( ملك القطن ) ليوسف أدريس .. ( قهوة الملوك ) للطفي الخولي .. ( المحروسة ) لسعد الدين وهبة .. وغيرها .. فكانت تلك المسرحيات بمثابة بداية جديدة لمرحلة تطور هامة من مراحل تطور المسرح المصري المعاصر. صراع الطبقات .. وحلم المساواة خرج المسرح الواقعي الاشتراكي للوجود من رحم ثورة 1952 .. تداعب خيال رواده احلام المساواة والعدل وإنهاء الفوارق الطبقية .. وما الى اخر تلك الفراشات المراوغة لنيران الرأسمالية الغربية والاقطاع والبيروقراطية المصرية على حد سواء .. وكان المجتمع المصري آنذاك يحاول خلع نظام الاقطاع بقيمه الراسخة هادفا تحقيق شيء من تذويب الفوارق الطبقية والاجتماعية .. لذا رأينا اديبا كنعمان عاشور مثلا من خلال مسرحيته ( الناس اللي تحت ) يعرض لما يمكن تسميته بالصراع الوجودي في المجتمع المصري .. يبدأ الصراع في اضيق نطاق .. في المنزل الواحد بين الاب والابن .. ثم يتمدد هذا الصراع على نطاق اوسع ليجسد صراعا بين جيل بأكمله يتصف بنظرة جامدة للأمور .. نظرة مادية جشعة في اساسها ( الكمساري عبد الرحيم + بهيجة هانم صاحبة المنزل المزواجة ) .. وجيل آخر في سن الشباب ( عزت ) يتمسك بالمثل ويحرص على القيم ويتشوق الى عالم جديد قانونه حب البشرية والسلام . الا ان ذلك الصراع الذي قد يبدوا انه مبررا لطبيعة الاختلاف المرحلي بين القديم والحديث يتحول عند سعد الدين وهبة الى صراع بين طبقات المجتمع ذاته وذلك في مسرحيته ( السبنسة 1966 ) والتي ينتقد فيها الواقع الطبقي المفروض لتقنين درجات المجتمع الى ( اولى وثانية وسبنسة ) وما ادى اليه ذلك من ظلم يقع على الفقراء الابرياء واستغلالها من قبل الطبقة الاعلى في معاشها وارزاقها بل واعراضها .. هذا ما لخصه كلام ( ناظر المحطة ) قرب نهاية الاحداث : درجة اولى هنا – يشير ناحية الحكمدار والضابط – ودرجة تانية هنا – يشير ناحية درويش وفتحي – ودرجة تالتة هنا – يشير المتهمين وصابر . ولكن هذا الوضع الظالم يقابله تنظيم آخر من المفترض له التحقق في حالة لو سادت الاشتراكية الحقة المجموع الشعبي .. هذا ما بشر به ( العسكري صابر ) والذي رفض ان يصبح من الدرجة الثانية ذيلا للطبقة الاولى وجاحدا لطبقة السبنسة عندما يقول : برضه مش هتهرب يا درويش افندي .. لا انت ولا البهوات والباشاوات بتوعك هتهربوا .. هتروحوا فين ! القنبلة هتفرقع وتجيب عاليها واطيها .. الارض كلها قنابل .. بلدنا انزرعت قنابل خلاص وهتفرقع وتجيب اللي قدام وره واللي وره قدام .. البريمو هيبقى سبنسة والسبنسة هتبقى بريمو . فمن هو صابر هذا المبشر بنظام تتحقق فيه العدالة الحقة ! وما هي قصة القنابل التي يتحدث عن قرب انفجارها لتغير نظام القطر القديم ( رمز الحياة الطبقية الآسنة ) .. ان احداث مسرحية السبنسة التي تدور في قرية ( الكوم الاخضر ) هي ترجمة واقعية لمصر كلها ( آنذاك ) بما فيها من مآسي وطغيان .. والقنبلة التي يتحدث عنها هي الثورة التي توجد في كل مكان والتي لابد لها إزاء ظلم الطبقة الاولى من ان تنفجر ذات يوم لتغير الوضع الطبقي الجائر . الالتفاف حول الثورة .. النظام الطبقي الظالم لم يكن على ما يبدوا الجرح الوحيد بجسد المجتمع المصري حديث العهد بالثورة والتحرر .. فها هو ( لطفي الخولي ) ينكأ آخر في مسرحيته ( القضية ) عندما يتسآئل " بعد تغير القوانين التي كانت سائدة في مجتمع ما قبل ثورة 1952 واحلال القوانين الاشتراكية سنة 1962 محلها .. هل افلحت تلك القوانين الاشتراكية الجديدة في القضاء على الخلل الذي كان عليه المجتمع قبلها ! ام ن الفئة الانتهازية وجدت لنفسها طريقا تمارس من خلاله اساليبها محاولة صعود الهرم الاجتماعي بالالتفاف حول ما حاولت الثورة تقديمه من مكاسب ! هل اقامت تلك الفئة لنفسها مواقع نفوذ جديدة تتعايش مع الواقع الثوري ( ظاهريا ) وتؤدي في النهاية الى كتم انفاس الشعب ! لقد حاول ( نعمان عاشور ) الاجابة على مثل تلك التساؤلات بمسرحيتين .. الاولى ( وابور الطحين 1965 ) والتي استخدم فيها الاسلوب الواقعي الرمزي .. بينما لجأ في الثانية ( بلاد برة 1967 ) الى الواقعية المباشرة .. وفي كلا العملين اوضح عاشور بما لا يدع مجالا للشك ان القوانين الاشتراكية اصبحت وسيلة لتنفيذ مآربق الحكام المعوجة ( العمدة + سليم + خضيري .. في وابور الطحين ) وان تلك القوانين قد ركبتها الطبقة الرأسمالية الجديدة واستغلتها لصالحها حتى تظل لها الكلمة الطولى على الناس اللي تحت ( متولي + سالم .. في بلاد بره ) ذلك الاستغلال الذي عبر عنه ( سعد الدين وهبة ) في مسرحيته ( المحروسة 1965 ) على لسان العمدة الذي يوجه كلامه للغفير : " اسمع يا وله .. روح كده لخالتك ام فريد .. انا شايف عندها زغاليل كويسة .. وان إتلاءمت هات فريد معاك .. ده مطلوب في القرعة .. وان ادتك سيبه .. وشوف كمان الحاج ربيع ده عليه حكم في قضية حيازة .. فكره بيه وهو يديك على طول . " وكذلك على لسان المأمور في نفس المسرحية : " ....... دا انا حابس يجي خمستاشر واحد علي ذمتي ولا ورق ولا محاضر ولا يحزنون . " وكأن سعد الدين وهبة يصور بمسرحيته تلك بزوغ طبقة جديدة وارثة لأمتيازات الطبقة القديمة .. وهذه الطبقة الجديدة هي التي تنعرج بالمسيرة الثورية الاشتراكية نحو منعطفات من الانانية والتسلط والاستغلال .. وهي صفات تتكون منها أزمة ذلك المجتمع الذي يكاد يتحول الى مجموعة من ( الفرافير ) كما عند يوسف إدريس . الحاكم والمحكوم .. ناقش يوسف إدريس في مسرحيته ( الفرافير 1964 ) موضوع الفرفور والسيد ومحاولة فرفور ان يتخلص من قسوة النظام الذي يفرض عليه ان يكون تابعا لسيد آمر مطاع يحرك ( وابور الطحين ) متى اراد مانحا الخير ويمنعه عن الدوران حين يريد إذلال الناس .. وهذا السيد يتقنع بشعارات الاشتراكية في الظاهر مخفيا بين جنبيه ذلك الداء الذي ورثناه منذ الآف السنين ومازال يعلن انتصاره على يد رجال امثال ( نادر بك في مسرحية بلاد برة لنعمان عاشور ) انه الحاكم في مسرح ( توفيق الحكيم ) ولكن في اسوأ صورة له .. المهيمن بأراؤه الفجة وشعاراته الجوفاء في غيبة من القانون بنما الشعب مقهورا لا ينبس .. وانما منافق او منقسما على نفسه .. او هو ( بهادر في يا طالع الشجرة ) والذي قضى حياته يعمل لفكرة معينة مضحيا بكل شيء في سبيلها ( الشجرة ) وحتى لو قتل زوجته بهدف جعلها سمادا لفكرته .. وعندما حاول تسميد الشجرة بجثة زوجته فقد السماد وظلت شجرته عاقرا .. انه ذلك الرجل التي تسيطر على ذهنه فكرة يريد فرضها بكل السبل وحتى لو ادى ذلك الى الضياع .. انه سائق الاوتوبيس عند سعد الدين وهبة في سكة السلامة 1965 .. انه الاخ عند يوسف إدريس في المخططين 1969 .. وهو المسئول لديهم جميعا عن هذا الخلل والمأزق . المسرح الواقعي الاشتراكي .. ملامح وسمات شكلت ابداعات كتاب المسرح المتمذهبين اشتراكيا ما عرف بالتيار الواقعي الاشتراكي في المسرح المصري .. ذلك التيار كانت له خصوصيته ودوره الهام في تطور الحركة المسرحية من ناحية الفكر والمضمون .. ويمكن ان نلخص ابرز سمات واسهامات ذلك الاتجاه المسرحي متمثلا في رواده من خلال النقاط التالية : - افراز نموذج البطل المقهور .. وذلك نتيجة للمتغيرات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع المصري .. ذلك النموذج الذي غالبا ما يحاول الصمود في وجه الظلم الاجتماعي والانساني ضده .. وهي شخصية تتوازى الى حد كبير مع الشخصيات الرئيسية في المسرح الكلاسيكي الغربي خاصة عند تشيكوف .. جوركي - تكاد تغلب الغنائية الخطابية على اسلوب الكثيرين من كتاب المسرح الواقعي .. ربما يرجع ذلك الى ان منهم من كانوا شعراء مارسوا كتابة القصيدة التقليدية ( عبد الرحمن الشرقاوي / صلاح عبد الصبور ) واما كتابا للرواية والقصة القصيرة ( نعمان عاشور / يوسف ادريس / لطفي الخولي / الفريد فرج ) - دخول التراجوكوميدي ( الكوميديا السوداء ) كعنصر اساسي من عناصر العمل المسرحي .. وهو ما تجلى بوضوح في مسرح نعمان عاشور وسعد الدين وهبة - المزاوجة بين الفصحى والعامية كشكل من اشكال تذويب الفوارق الطبقية ! وقد بالغ من تابعوا الاتجاه الواقعي الاشتراكي في هذا التذويب حتى وصلوا به الى حد العامية في الحوار المسرحي وذلك بدعوى انها اقرب الى الواقع اليومي وختاما .. يمكننا الى تجربة التيار الواقعي في المسرح المصري على انها واحدة من افرازات ثورة غيرت الكثير ( سلبا وايجابا ) في شكل وعقل ووجدان امة بأسرها .. وبطبيعة الحال لم يكن الفن عن ذلك التأثر ببعيد .. بل ان المرء عندما يبحر فيما حملت تلك الاعمال المسرحية من احلام حينا ودموع وصرخات حينا اخر .. ليؤمن ان الفن قد يكون اكثر من مجرد مرآة للمجتمع .
FFD56B23C694AFCC552C3DAAA758D633

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق