السبت، 30 يونيو 2012

أميرة الكلمات



كتب عنها كثيراً، ظل يجملها و يعطيها من الصفات و المحاسن ما يُعطى للملائكة، ثم طوى الورقة التي تحمل كينونتها بين أكوام الأوراق التي يكدسها داخل صندوق ورقي كبير، نسيها و مضى في طريقه المرسوم يكتب و يكتب حتى ملّ القلم منه، و صرخت الكلمات : يا هذا لقد أُتخمت الأوراق بكلماتك و جف المداد.
نسيها و لم يكن يعلم أنها تذكره، ففي لحظة فراغ النفس و عصيان الكلمات أطلت من بين طيات الأوراق كحورية في أبهى صورها.
تسمرت عيناه و هو يعاين حسنها، و هي تنظر إليه بتحد صارخ، فرك عيناه مرات ثم عاد يرنو إليها فباغتته
-         هل أعجبتك؟
-         بل أبهرني جمالك، من أين أتيتِ ؟ و من أين لك بهذا الحسن ؟
-         سل قلمك الذي جف مداده، و سل الأوراق التي أٌثقلت بفيضان كلماتك في وصفي
-         لست أفهمك، أجيبيني قبل أن يذهب عقلي
-         قلت لك.....سل القلم و الأوراق
-         دعكِ من المراوغة فلم أعد أحتمل
-         حقاً لا تتذكرني....!
-         لا أعتقد أننا التقينا من قبل
-         بل التقينا....أو بالأحرى أنت من رسم لقاءنا و رسم الطريق الي سرنا فيه سوياً بل و الأشجار التي أحاطت بالطريق و العصافير التي صدحت مرحبة بنا
-         لم أعد أفهم شيئاً
-         لم أعهدك تنسى أو تتناسى، و لكني أعذرك قليلا، فيوم التقينا كنت أنت قد جاوزت العشرين بقليلٍ، و أنا كنت بنت يوم، ثم بقلمك كبرت و أصبح لي كيان و عقل مفعم بالمعرفة و قلب ينبض بالحياة.
-         نعم....الآن تذكرت، و لكني لم أتخيل أن تخرجين من بين طيات الكلمات و تتمثلين هكذا بهذا الجمال الأخاذ الذي يقترب من الكمال
-         و هل تذكر اسمي
-         لا يهم الاسم......فالأسماء لا تعنيني كثيراً
-         أوافقك الرأي....دعنا من الاسم إذن.....و دعني أعترف لك بشيء يجول بخاطري
-         كلي آذانٌ مصغية
-         لا أريد آذاناً مصغية، بل أريد قلبك ليعي كلماتي
-         إذن فالقلب يستمع منصتاً إليكِ .... هيا أسمعيه كلماتك
-         ليست بكلمات...فأنا لم أتعلم كيف أصيغ الكلمات، فأنت لم تعلمني، و لكني سأخرج ما في نفسي بالنظر إليك
-         و هل تنجح النظرات في التعبير بدلا من الكلمات
-         نعم....جرب أن تنظر إلى عيني و اقرأ ما يقولان لك
-         عيناكِ.....هاتان الساحرتان....ينطقان ببحور من الكلمات، لا تكفي أوراق العالم مجتمعة أن تضمها أو تحتويها
-         هل تعجز عن الإحاطة بما أوحيت إليّ به و علمتني إياه
-         و هل علمتكِ كل هذا؟
-         نعم .....فأنا صنيعتك، و كما تريدني أكون
-         كما أريدك تكونين....دعيني أعود بالذاكرة للوراء قليلاً...لأتذكر كيف خرجتِ من عالمي لتحتلين عالم الأوراق و الكلمات
-         كيف تنسى و قد كنت يومها عاشقاً....تهيم في كلمات الهوى...تزرع أزهاراً بلا شوك...و ترى الدنيا من خلف ستار وردي
-         نعم....أنتِ ....أنتِ أول ما وقر في قلبي يوم عرفت الحب....علمتني كيف أنطق بالكلمات...أنت إذن من علمتني كيف يكون مذاق الكلمات
-         بل أنا نتاج كلماتك...و لكني تعلمت و أنت ما زلت في أول خطواتك بعد كل هذه السنوات
-         أنا..!.... أنا من ملأت الدنيا كلاماً....و أنهيت كل قوارير المداد التي طالتها يداي....أنا من أعجزت الأقلام حتى خجلت من عدم قدرتها على مجاراتي....أنا
-         نعم...أنت....يكفي هذا
-         هل أغضبتك ؟
-         نعم...أغضبتني بشده، فلم تعد بالنسبة لي سيد الكلمات كما كنت، خاصة بعد ما قرأت كلماتك الأخيرة....كلمات خاوية جوفاء لا قيمة لها...لا تحمل المعاني السامية التي علمتني إياها.....أنت لم تعد أميناً على الكلمات
-         هل تأتيني بعد كل هذه السنوات لتقريعي و نعتي بما تدعين
-         أنت تستحق، و لولا ما أنت فيه الآن ما خرجت من بين أوراقك لأنبهك
-         تنبهينني...!
-         نعم...ألا تشعر بالعجز الآن...ألم تمل الأوراق و الكلمات و تراها أصبحت غير مجدية ؟
-         فعلاً....هذا ما أشعر به الآن..
-         إذن كان حتمياً أن آتي لأدافع عن حقي في الحياة.
-         حقك....!
-         نعم...حقي...حقي الذي وهبتني إياه....زمان الصدق و المشاعر الصادقة النقية...و الآن تريد أن تتركني طي النسيان، أنا هنا لأدافع عن وجودي
-         أنت محقة....أنا بالفعل قد تحولت لآلة لإفراغ الأفكار فوق الأوراق و فقط، لم أعد أشعر بالحروف أو الكلمات...و أنا أضعها قسراً في غير موضعا...لقد أصبحت قاتلاً.
-         لست بقاتل، و لكنك درت في فلك غيرك
-         نعم...أنا بالفعل أدور في فلك غير الذي رسمته لنفسي و أنا في أول الطريق
-         و هذا بالضبط ما جعلني أتألم و أنا ارى من صنعني في أبهى صورة و جملني بحروف من ذهب و نور، ثم يستبدلني بهذه الصور المشوهة و الكلمات الجوفاء الخاوية
-         لقد جئتِ في الوقت المناسب بالفعل....نعم...أنتِ محقة، لقد وعيت حالي الآن
-         إذن دعني أنصرف إلى حيث أنتمي
-         لا....بل تبقين معي
-         لا أستطيع....فمهمتي قد انتهت الآن...و سأتركك لتستعيد الذكريات و الكلمات التي تاهت منك
-         أعدك أنني سأحاول جاهداً العودة....و لكني لن أعود كما تعرفينني
-         المهم أن تعود...أن تعشقك الكلمات كما كنت تعشقها
-         سأحاول....و لكني أرجوكِ أن تبقين
-         سأكون إلى جوارك....و سأراقب عملك، و لن أتردد في العودة لأذكرك بي مرة أخرى
-         أعتقد أنه قد آن الأوان لأبحث عن قلمي و أوراقي من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق