| ||||
إظهار الرسائل ذات التسميات قصص الازواج من بريد الجمعة. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات قصص الازواج من بريد الجمعة. إظهار كافة الرسائل
الاثنين، 1 نوفمبر 2010
الصفحة البيضاء
المثل الاعلى
| ||||
الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010
الاختيار القهري!
| أرجو أن أجد لديك ما أحتاج إليه من مشورة تعينني علي الخروج من بحر الحيرة.. فأنا سيدة في الثامنة والعشرين من عمري وقد نشأت بين أبوين متحابين وعشت حياة هادئة وادعة وتمتعت دائما بحب أبي وأمي وأخي الأصغر وأهلي.. وتعودت منذ صغري أن أسمع كلمات الإعجاب بجمالي داخل أسرتي نفسها ومن الآخرين.. وحرصت والدتي منذ صغري علي تعليمي فروض ديني, فنشأت علي الصلاة والصيام والاحتشام في مظهري, وبدافع تلقائي في أعماقي وجدت نفسي أقرر ارتداء الحجاب وأنا في سن السادسة عشرة من عمري, وفاتحت أمي برغبتي في ذلك فسعدت بها كثيرا وطلبت مني أن أستشير أبي أيضا في ذلك, وتحدثت إليه عن رغبتي فشاعالرضا في وجهه, ثم سألني هل هذه الرغبة نابعة من نفسي أم حثني عليها أحد؟, فأجبته بأنها رغبة صادرة عني وأن كل صديقاتي المقربات بالمدرسة قد تحجبن من تلقاء أنفسهن ويواظبن علي الصلاة والصوم مثلي.. وأرغب في أن أنال رضا الله مثلهن فقبلني في جبهتي ودعا لي بالخير والسعادة, وازداد حبا لي واقترابا مني, وأصبح منذ ذلك اليوم يقول لي وللجميع إنني درة ثمينة لن يفرط فيها إلا لمن يعرف قيمتها, والغريب أن ارتدائي للحجاب قد زادني جمالا, وأكسبني مزيدا من الحب والاحترام, ولم تمض بضعة شهور حتي فوجئت بأمي تبلغني بأن عمتي ترغب في خطبتي لابنها الذي يدرس بالسنة النهائية بكلية الهندسة, وأن أبي قد اعتذر لها لصغر سني, وبعد أسابيع أخري أبلغتني برغبة ابنة عمها في خطبتي لابنها ورفض أبي للسبب نفسه, ثم تكررت هذه القصة أكثر من مرة خلال السنة الأخيرة من دراستي الثانوية وكان رأي أبي دائما هو أنني مازلت صغيرة وأنه لا يريد التسرعفي هذا الأمر لكيلا يسيء الاختيار, ووافقت أبي علي ما رآه والتحقت بكليتي الجامعية, ومضت حياتي هانئة وسعيدة, وفي عامي الثالث شعرت بالتجاوب العاطفي مع شقيق إحدي صديقاتي, وهو محاسب متدين ووسيم وعلي خلق كريم, وصارحت أمي بذلك فوعدتني بمساندتي عند أبي حين يتقدم إلي, وبدأ هذا الشاب يستعد لخطبتي وطلب مني الصبر عليه عاما آخر لكي يكون قادرا علي توفير متطلبات الزواج.. ووعدته بذلك, لكن شيئا جديدا ظهر في حياتي وهدد أمانها وهدوءها, فلقد كان هناك شاب مستهتر يلاحقني منذ فترة بإلحاح شديد ويطاردني بسيارته خلال ذهابي للكلية وعودتي منها.. ويحاول فرض نفسه علي بكل الطرق وأنا أتجاهله وأتفادي شره لعلمي بسوء سلوكه وسمعته, وكان هذا الشاب قد حصل علي شهادته الجامعية بعد رسوب عدة سنوات, وشارك أباه في عمله التجاري, وقد أعجب بي وراح يلاحقني وكلما تمسكت بتجاهله ازداد إصرارا علي ملاحقتي كأنما قد عز عليه أن ترفضه فتاة وهو المرغوب من غيرها, وبعد محاولات مستميتة بدأ يرسل لي رسائل شفوية عن طريق صديقاتي بأنه لن يتنازل عني مهما فعلت وأنه سيتقدم لخطبتي فإذا رفضته فإنه سوف يشن علي حربا شعواء ويشوه سمعتي ويشيع عني أشياء غير حقيقية ليثبت بها استهتاري وسوء أخلاقي! وسمعت هذه التهديدات من بعض صديقاتي فتملكني الغضب والحنق, وازددت إصرارا علي رفضه. فإذا به يتقدم بالفعل لخطبتي, وسألني أبي عن رأيي فصارحته برفضي له لسوء أخلاقه وتعدد علاقاته مع الفتيات ولعدم تجاوبي معه. واعتذر أبي للشاب ووالده, فكان ذلك بداية للحرب القذرة من جانبه ضدي.. فقد راح يطاردني في كل مكان ويحاول محادثتي, ويتوعدني بأنه سيحول حياتي إلي جحيم ونفذ تهديده بالفعل فراح يرسل الخطابات القذرة لأبي وأخي وأهلي وأسر صديقاتي يتهمني فيها في شرفي ويحذر آباء صديقاتي من السماح لبناتهن بمصادقتي, ووجدت نفسي أسمع كل يوم قصة جديدة من هذا النوع وأبكي من شدة القهر والإحساس بالظلم, وتكدر صفو حياتنا جميعا وغضب أبي غضبا شديدا وتوجه لوالد الشاب وأطلعه علي الرسائل التي تلقاها وشكا إليه مما يفعله ابنه, وغضب الرجل غضبا شديدا واستدعي ابنه وكاد يبطش به, وهدده بأنه سوف يشهد ضده في قسم الشرطة إذا شكاه أبي إليه, فإذا به يقول لأبيه مشيرا إلي والدي.. ولماذا لا يوفر علي نفسه وعلي ابنته هذه المتاعب, ويزوجني منها؟ فكاد أبي المعروف دائما بهدوئه أن يجن لوقاحته.. وانصرف غاضبا وثائرا, لكنه لم يتقدم بشكوي ضده إلي الشرطة حرصا علي سمعتي, وتعاطفا مع والد الشاب الذي حار معه. وفي هذه الفترة تقدم فتاي لأبي ورحبت به وبدأنا نستعد لإعلان الخطبة.. فجن جنون هذا الشاب المستهتر ولاحق خطيبي في الشارع أكثر من مرة وافتعل الأسباب للاصطدام به, وكاد يصدمه في إحدي المرات بسيارته في الشارع. ولم يكتف بذلك وإنما راح يرسل الرسائل القذرة إليه وإلي والدته وإخوته المتزوجين وشقيقاته, يخوض فيها في عرضي ويتهمني ـسامحه اللهـ بأنني لست عذراء وأن حجابي ليس سوي مظهر خداع للتستر علي حقيقتي المدنسة! وبلغني ذلك فانهرت.. ولزمت الفراش بضعة أيام وخيم الحزن والاكتئاب علي حياتنا, وشعرت أمي بالخوف الشديد ليس فقط علي, وإنما علي شقيقي الأصغر الذي أقسم أن ينتقم من هذا الشاب المستهتر ولو أدي الأمر دخوله السجن ثمنا لذلك, وبات أبي في هم شديد.. وحصل علي إجازة من عمله ليلازم أخي ويمنعه من الإقدام علي عمل يضيع مستقبله.. واضطر لمراقبته ليل نهار, كما منعه من الخروج إلي كليته بضعة أيام, وأخذ عليه العهود المغلظة بألا يفعل ما يزيد به من متاعبنا.. وفعلت أنا أيضا نفس الشيء معه.. وقبلت رأسه وتوسلت إليه ألا يضاعف من عذابنا بالخوف عليه. لكني شعرت بأنه يسايرنا لطمأنتنا.. وأنه سوف يقدم علي ما يفكر فيه بمجرد اطمئنانه إلي عدم مراقبتنا له, خاصة وهو قوي الجسم ورياضي وله أصدقاء رياضيون مثله. وفكرت أنا طويلا فيما أفعله لأحمي أخي وأسرتي من هذا العناء.. وبعد يومين من التفكير المتصل, خرجت علي أبي وأمي بقرار غريب هو قبولي لخطبة هذا الشاب المستهتر والاعتذار للآخر الذي أحببته عن عدم الارتباط به! وأعلنت قراري لأسرتي, فجن أبي وغضبت أمي وشقيقي.. وحاولوا إثنائي عنه بكل السبل لكني صارحت أمي وحدها بأن هذا الشاب لن يدعني في حالي مهما فعلت وقد حول حياتي إلي جحيم وأنا بين أبي وأمي وفي حمايتهما.. وسيواصل ذلك أيضا وأنا زوجة, ومادام الأمر كذلك فليكن زواجي منه تضحية مني لحماية أسرتي, ومن يدري فلعله لم يفعل ما فعله إلا لأنه يحبني بصدق, وإذا كنت أنا لا أحبه.. فربما أحبه في المستقبل. واستمر الجدال بيني وبين أسرتي حول هذا الأمر شهرا كاملا وساهم في تليين موقف أبي, أن والد هذا الشاب قد زاره بضع مرات معتذرا, وراجيا قبول ابنه الذي لم يعد له من هدف في الحياة سوي الفوز بي آملا أن يكون ذلك سببا في انصلاح أحواله. واعتذرت لفتاي الآخر وتحملت عتابه ولومه ودموعه.. وتحدد موعد قراءة الفاتحة مع الشاب المستهتر فبكيت بكاء مرا وشعرت بأنني أساق إلي مصير لا أستطيع الفكاك منه. وتمت الخطبة في جو كئيب, وكدت بعدها أتراجع عن استكمال المشوار لكن أشباح الجحيم الذي عشت فيه طوال العام السابق تراءت لي في مخيلتي وحطمت مقاومتي. وقدم الشاب ووالده لأبي كل الإغراءات المادية لعقد القران وإتمام الزواج في أقرب وقت, ولم تمض شهور حتي تم إعداد شقة الزوجية الفاخرة والزفاف. وفي ليلة الزفاف شعرت بكراهية الدنيا كلها لهذا الشاب الذي أصبح زوجي لكني كتمت مشاعري في داخلي. وشاءت رحمة ربي بي أن يعجز هو عن الوفاء بواجباته الزوجية إلا بعد أن اصطحبتني والدته ووالدتي إلي عيادة طبية للأمراض النسائية, فرجعت من عندها وأنا أشعر نحوه بالاحتقار والانتصار.. وأريد أن أسأله أين تذهب من عقاب السماء علي ما افتريته علي ظلما وبهتانا. ومضت حياتنا معا بعد ذلك في جفاء صامت من ناحيتي ومحاولات مستمرة من جانبه للتودد إلي والاعتذار لي عن كل ما فعله ضدي بأنه يحبني بصدق وأراد ألا يفوز بي أحد غيره.. وبعد عام وضعت طفلتي الوحيدة الجميلة.. ولم يغير مجيئها شيئا من برود العلاقة بيني وبينه.. بل ازدادت صمتا وجفاء ونفورا.. وبعد ميلاد الطفلة صارحته برغبتي في الانفراد بغرفة نومي دونه لكي أرعي المولودة, وأتفرغ لها. ولم يعترض علي ذلك كما لم يعترض علي شيء أردته طوال زواجنا, ثم مات والده فشعر بالحزن الشديد عليه.. وداوم علي الصلاة لبعض الوقت بعد وفاته ثم انقطع عنها, وشاركته الحزن علي هذا الرجل الطيب الذي لم أر منه سوي كل عطف واحترام منذ أن عرفته. ومضي علي زواجنا ثلاث سنوات ولم يتغير الحال بيني وبينه.. فأنا أشاركه الزيارات العائلية والواجبات الأسرية.. وأقوم بواجباتي الزوجية تجاهه لكني لا أشاركه المشاعر العاطفية, ولا أحب الخروج معه وحدنا, وقد سعي هو بإخلاص خلال هذه السنوات إلي تحسين علاقته بأبي وأمي وشقيقي واعتذر لهم مرارا وتكرارا وقبل رأس أبي وأخي عدة مرات وتحمل جفاءهم ورفضهم إلي أن شعروا بالخجل من ذلك فبدأوا يتعاملون معه بروح جديدة. كما لم يكف طوال هذه السنين عن محاولة استجداء مشاعري وتقديم القرابين لي لكي أغفر له ما فعل في حقي, وقدم لي الكثير من الهدايا الثمينة فكنت أشعر في بعض الأحيان بشيء من العطف عليه, وأشعر في أحيان أخري بثورة داخلية شديدة ضده حين أتذكر الحرب الشعواء التي شنها ضدي واتهاماته القذرة لي في شرفي, وإرغامي علي الزواج منه والتخلي عن خطيبي الأول. واكتسبت علاقتي به بعد أربع سنوات من الزواج طابعا من الاستقرار الذي لا حياة فيه ولا عاطفة, فنحن لا نتشاجر ولا نتصادم, ولكني أعيش في داخلي أكثر مما أعيش معه.. وأشاركه الأشياء في صمت وفتور بلا رغبة حقيقية. ومنذ بضعة شهور رأيت خطيبي السابق بالمصادفة في مول تجاري مع شقيقته فتبادلنا التحية والأحاديث وشعرت في نظرة خطيبي السابق لي بالعتاب الصامت, وعرفت من أخته أنه قد خطب فتاة لمدة عام ثم فسخ خطبته لها.. وأنه خاطب الآن فتاة أخري منذ بضعة شهور, فرجعت إلي بيتي وأنا مضطربة المشاعر.. وانفجر بركان الغضب الصامت في أعماقي ضد زوجي, واشتبكت معه في مشاجرة مفتعلة وثرت عليه ثورة هائلة, وتركت طفلتي وبيتي ورجعت إلي بيت أبي بدعوي أنني سأستريح هناك بعض الوقت. وفي اليوم التالي اتصل بي زوجي في التليفون ورجاني باكيا العودة للبيت من أجل طفلتي التي تفتقدني.. وأبدي استعداده لأن يغادر هو البيت إذا لم أكن أرغب في رؤيته. ووجدت الغضب الهائل الذي تملكني فجأة يذوب أيضا فجأة, ورجعت إلي البيت, وواصلت حياتي معه.. ولاحظت بعد عودتي أشياء جديدة في شخصية زوجي. فلقد لاحظت أنه قد انتظم في الصلاة لأول مرة في حياته, وأنه شاركني لأول مرة أيضا صيام الأيام الستة البيضاء عقب العيد, وشاركني كذلك صوم يوم الوقفة, وأنه يبدأ يصوم تطوعا من حين لآخر كما لمست فيه أيضا تغيرات أخري.. إذ نهضت من نومي ذات ليلة لدخول الحمام فوجدته يصلي في الليل وحيدا وهو دامع العينين وفي حالة خشوع صادقة ورأيته بعد ذلك أكثر من مرة يصلي قبل نومه في حجرته ويقرأ القرآن ويستغفر الله كثيرا. وعرفت من أحد العاملين معه جاء إلي ببعض مطالب البيت, أنه يحرص علي الصلاة في مواعيدها خلال العمل وأن أخلاقه علي حد تعبيره قد تغيرت كثيرا خلال السنة الماضية وأصبح إنسانا آخر. ولاحظت أيضا لأول مرة أن ابنتي الطفلة لا تتجاوب أبدا معه حين يلاطفها أو يحنو عليها وتسرع بالابتعاد عنه والالتصاق بي, وأنه يشعر بنفورها منه ويتألم لذلك كثيرا. وعجبت لنفسي كيف لم ألحظ ذلك من قبل.. وتساءلت عن السبب وأنا لا أذكره أمامها بسوء وبدأت أشعر بشيء من الأسي له وأسأل نفسي: هل يحاسبني الله علي جفاء مشاعر ابنته له.. وهل يحاسبني علي هجري له, وصمتي وفتوري الدائمين معه ومنذ فترة قصيرة فوجئت به يقول لي في هدوء إنه لا يريد أن يكرهني علي الحياة معه أكثر من ذلك, وإنه يترك لي الخيار بين الاستمرار معه كزوجة كاملة, أو الانفصال عنه, ويؤكد لي أنه لن يعترض علي أي اختيار لي بل سيعينني عليه, فإذا رغبت في الانفصال عنه فسوف يعطيني كل حقوقي بلا منازعة, وسوف يترك لي ابنتي لأربيها في أحضاني, وإذا تزوجت في المستقبل فلن يحول بيني وبين رؤيتها وستكون دائما ابنتي وأنا أمها. وحدد لي مهلة لمدة شهر أفكر خلاله في أمري وأبلغه بعده بقراري النهائي. ودار رأسي بما سمعت.. واستغرقني التفكير في أمري طوال الوقت واستشرت إحدي صديقاتي فقالت لي إنها فرصة ثمينة لكي أتخلص منه وأرتبط بالشاب الوحيد الذي كنت قد أحببته من قبل, واستشرت أمي فنصحتني بالاستمرار معه لأنه تغير كثيرا وأصبح إنسانا طيبا ويحبني ويحترمني ويصبر علي الأذي مني, وأيضا من أجل طفلتي التي لن تسعد بافتراقها عن أبيها أو عني. وذكرتني أمي بأن زواجي منه كان قراري الشخصي واختياري الذي لم يرغمني عليه أحد. وبالرغم من تأثري بكلامها إلا أنني ثرت في داخلي علي عبارة أنه لم يرغمني أحد علي الزواج منه, وقلت لها بل إنه هو الذي أكرهني علي الزواج منه بالحرب القذرة والضغط المستمر, وتحويل حياتي إلي جحيم.. لكن ذلك لم يخرجني من حيرتي ومازلت أتردد بين الميل للقبول بزوجي والاستمرار معه علي أسس جديدة من أجل طفلتي, ومن أجل ما طرأ عليه من تغيرات إيجابية وما بدأت أشعر به من تقدير لحبه الكبير لي وصبره علي جفائي له كل هذه السنوات, وبين الرغبة في إنهاء هذه الحياة الفاترة الصامتة والتحرر منها, واختيار حياة جديدة لي بكامل إرادتي هذه المرة, وليس تحت ضغط الظروف التي حكيتها لك.. فبماذا تشير علي يا سيدي.. وبماذا تنصحني أن أفعل؟ رد الاستاذ / عبد الوهاب مطاوع على كاتبة الرسالة الفرق بين الاختيار الحر للإنسان والاختيار القهري الذي تمليه عليه الظروف الملحة, هو أن الاختيار الحر يكون بين بدائل شبه متقاربة يعتمد التفاضل بينها علي الترجيح بين الحسن والأحسن من وجهة نظر صاحب القرار ووفقا لاقتناعه العقلي وميوله العاطفية والنفسية. أما الاختيار القهري فهو الذي تضيق فيه دائرة الاختيار بين بدائل لا وجه للمقارنة من الأصل بينها, كأن يجد الإنسان نفسه في الطريق وسيارة مسرعة تقترب منه لتدهمه فيكون الاختيار الوحيد المتاح أمامه هو التجمد في موقعه لتصدمه السيارة, أو القفز إلي الرصيف لينجو من الهلاك, وبالرغم من أن الإنسان سوف يختار غريزيا النجاة من الخطر إلا أن اختياره هذا يعد اختيارا قهريا لا بديل لعاقل سواه وبالرغم من توافر عنصر الإرادة فيه. وأحسب أن اختيارك لزوجك كان من قبيل هذا الاختيار القهري الذي لا تتوافر فيه حرية الإرادة الكاملة حتي ولو لم يرغمك عليه أحد من أهلك, إذ كان بالنسبة إليك اختيارا بين الاستمرار في مكابدة الجحيم والحرب القذرة وتعريض شرفك وسمعتك وأسرتك وشقيقك للأذي, وبين إيثار السلامة وطلب النجاة من هذا البلاء! فإذا كنت قد لمتك علي هذا الاختيار لأنه كان هروبا من المعركة ونكوصا عن التمسك بحقك المشروع في الاختيار الحر لحياتك وتحمل تبعات ذلك إلي النهاية, فإني علي الناحية الأخري ألتمس لك بعض العذر فيه بالنظر للظروف المحيطة والضغوط القاسية التي أحاطت بك عند الاختيار. غير أنني أتصور أن هناك عاملا آخر قد رجح لديك هذا الاختيار القهري لا يقل أهمية عن الاعتبارات العائلية ورغبتك في إنقاذ نفسك وأسرتك من المتاعب. فلقد كنت تخوضين معركة غير متكافئة للدفاع عن شرفك وسمعتك ضد من يفتري عليك السوء ويتهمك بأبشع الاتهامات, وضاقت نفسك بهذه الحرب القذرة بعد طول معاناة, ورغبت في تطهير نفسك وسمعتك من كل ما علق بها من هذه السهام الطائشة, فرأي عقلك الباطن ـوربما الواعي أيضاـ أن أنجع وسيلة لدحض هذه الاتهامات الظالمة لك هو أن تتزوجي ممن أطلقها ضدك فكأنما تحصلين بذلك منه علي شهادة البراءة أمام الجميع من كل ما افتراه عليك واتهمك به من قبل. لكن السؤال المهم هو: هل كان نفي هذه الاتهامات الكاذبة والرغبة في إنهاء هذه الحرب القذرة وحماية أسرتك من متاعبها, يستحق منك هذا الثمن؟ إنه سؤال ترجع إجابته إليك.. وأيا كانت الإجابة فسوف يكون لها جانب لا بأس به من المنطقية والحجية, لأنه لا يعرف لسع نيران الجحيم إلا م يكتوي بها. وإذا عجبت لشيء في قصتك هذه فلن يكون عجبي الأكبر لاستسلامك أمام خصمك في هذه الحرب غير الشريفة طلبا للسلامة, وقد كانت هناك بالفعل وسائل أخري لإنهاء هذه الحرب منها اللجوء إلي القانون وتحمل الحرب حتي النهاية, وإنما سيكون عجبي الأكبر لاستسهال البعض بمثل هذا الطيش والفحش لاقتراف جريمة القذف في أعراض المؤمنات بغير خشية لعقاب السماء ولا عقاب المجتمع, مع أنه جريمة يعاقب عليها الله سبحانه وتعالي في الدنيا والآخرة, ويعاقب عليها أيضا المجتمع في قوانينه الوضعية! فلقد جعل الله جريمة القذف من كبائر الإثم والفواحش التي يحد عليها مرتكبها إن لم يقم البينة علي صحة ما رمي به الغير, وعقوبة القذف في الشريعة السمحة مادية وأدبية, والعقوبة المادية هي الجلد, والأدبية هي رد شهادة القاذف وعدم قبولها أبدا والحكم بفسقه حيث يصبح بذلك غير عدل عند الله والناس. بل إن العلماء قد اختلفوا في توبة القاذف هل ترد له اعتباره فتقبل منه شهادته أم لا, فذهب بعضهم إلي قبول شهادته إذا صحت توبته وذهب البعض الآخر إلي عدم قبولها. كما أن الإسلام لم يكتف بتحريم القذف بالتصريح المباشر فقط وإنما حرمه كذلك بالتعريض أي بالتلميح دون التصريح به, وفي عهد العظيم عمر بن الخطاب تساب رجلان فقال أحدهما للآخر: ما أمي بزانية ولا أبي بزان. وسأل عمر أهل الشوري في حكم هذه العبارة وهل تعتبر قذفا أم لا, فقال أحدهم: مدح أباه وأمه.. ولا شيء في ذلك! وقال آخرون: كان له في مدحهما سبيل آخر, إنما هو قذف بالتعريض يستحق عليه الحد, فأخذ عمر بهذا الرأي وجلد الرجل. فما أعجب أن يرتكب البعض هذه الجريمة النكراء دون أدني إحساس بالإثم وكأنما قد صارت سلوكا عاديا لا يستحق الوقوف أمامه. فأما تساؤلاتك الحائرة فلسوف أجيب عنها بترتيبها.. فإذا كنت تسألين: هل يحاسبك الله سبحانه وتعالي علي جفائك لزوجك وهجرك له.. فجوابي عليه: نعم. لأنك بالرغم من كل ما جري قد ارتضيت به زوجا لك وقد كان في مقدورك رفضه ولو تحملت في سبيل ذلك العناء. وإذا كنت تسألين: هل يحاسبك الله سبحانه وتعالي علي نفور طفلته منه بالرغم من أنك لا تشيرين إليه بسوء أمامها, فجوابي عليه هو أيضا: نعم. لأنك إذا كنت لا تذكرين أباها بسوء أمامها فأنت علي الناحية الأخري لا تذكرينه بخير لها ولا تحثينها علي حبه والاقتراب منه ولا تعرفينها بفضله عليها كأب لها. وتكتفين بالتصاقها بك دون أن تؤدي واجبك كأم تجاه هذه الطفلة نفسها قبل أن يكون تجاه أبيها, في توجيهها إلي حب أبيها والاقتراب منه. فالأطفال الصغار إذا كانوا يرضعون حب الأم مع لبنها, فإنهم لا يتشربون حب الأب في مثل هذه السن المبكرة إلا من خلال الأم الواعية لواجباتها الدينية والتربوية, وذلك قبل أن يكبر الصغار ويتأثروا بمؤثرات الأب المباشرة. وأما سؤالك الجوهري عن القرار النهائي الذي ينتظره منك زوجك, فالحق أنني أشعر من خلال كلماتك بأنك لا تخلين من رضا عميق في داخلك عن حبه الكبير لك وأحسب أن هذا الرضا كان أيضا واحدا من الأسباب التي رجحت لديك الارتباط به إلي جانب الاعتبارات السابقة, غير أنك تشعرين علي الناحية الأخري بأنك مازلت ضحيته ولست زوجته التي اختارته بملء إرادتها, فيقف هذا الإحساس المؤلم حائلا بينك وبين التجاوب المتصل وليس المتقطع معه. كما أنني لا أشعر بأن لديك رغبة حقيقية في تغيير حياتك وبدء حياة جديدة مع خطيبك السابق, أو مع غيره.. وإنما أشعر فقط بأنك مازلت تريدين مواصلة عقاب زوجك علي ما اقترفه في حقك من جرائم قبل4 أو5 سنوات, وأنك لا ترين الفترة الماضية كافية له للتكفير عما فعل ولا للصفح عنه, ولا ترين كذلك أن ما قدمه لك من قرابين حسن المعاملة والاعتذار والتودد والصبر علي الجفاء والهجر كاف لذلك. وبذلك لا يصبح الاختيار الذي تواجهينه الآن في الحقيقة بين الحياة معه كزوجة كاملة أو الانفصال عنه وبدء حياة جديدة بعيدة عنه. وإنما يصبح الاختيار الحقيقي الذي تترددين أمامه هو إطالة مدة العقوبة لفترة أخري.. أو الصفح الآن والإفراج عنه لحسن السير والسلوك خلال فترة العقاب! وأرجو أن تواجهي نفسك بشأن هذا الاختيار مواجهة صريحة لأنك ـفيما أتصورـ لا تخططين لبدء حياة جديدة مع غيره, ولا ترغبين لطفلتك في التمزق بينك وبينه. فإذا كان الأمر كذلك, فلعلي أقول لك إن زوجك قد قدم لك ولأسرتك من القرابين وأهمها في نظري حسن معاشرته لك وتسامحه معك وصبره عليك, ما يكفي إلي جانب التوبة والندم والاستغفار لأن يشفع له عند ربه فيما اقترف من جرم القذف السابق في عرضك. فكيف لا يشفع له كل ذلك لديك؟ إن التغيرات الإيجابية في شخصيته والتزامه الديني والخلقي وكثرة استغفاره وصلاته وصيامه كل ذلك يرشحه لأن يستحق حبك وصفحك وحسن معاشرتك له. ولقد اعتبرت نفسك قبل ذلك قد أرغمت علي الزواج منه بالاختيار القهري الذي لاخيار سواه إلا الجحيم وسوء السمعة.. وكان هذا الإحساس كفيلا وحده بعدم تفتح مسامك له فلماذا لا يكون قرارك النهائي الآن هو الزواج من زوجك هذه المرة بالاختيار الحر له والرغبة الصادقة فيه؟ إنني أعتقد أن حرية الاختيار لزوجك هذه المرة سوف تكون عاملا جوهريا في اختلاف علاقتك به وحياتك معه إلي الأفضل بإذن الله. فلماذا لا تجربين هذا الاختيار الحر وتواجهين تبعاته بشجاعة نفسية وعاطفية؟ | |
الخطة الجهنمية!
| أنا شاب في الثامنة والعشرين من عمري.. أتابع باهتمام بريد الجمعة واستطيع ان اقول ان ما يقرب من80% من خبرتي بالحياة قد اكتسبتها منه, ولهذا فإني ألجأ إليك لألتمس منك الرأي والمشورة في مشكلتي التي أقف أمامها حائرا الآن. فلقد بدأت القصة منذ أكثر من عام حين تعرفت بسيدة متزوجة تكبرني بثماني سنوات ولها ابنة عمرها17 عاما, ثم توثقت صلتي بها سريعا لظروف غياب زوجها المتكررحيث يضطره عمله للسفر لفترات طويلة, فأصبحنا نتحدث في التليفون لساعات طويلة ونلتقي في الأماكن العامة ونتبادل أحاديث الحب والهيام, كما بدأت أزورها في بيتها عند سفر زوجها, وتكررت هذه الزيارات الي ان تخطينا كل الخطوط الحمراء وأصبحت علاقتي بها كاملة.. واستمر الحال علي هذا النحو بضعة شهور.. لم يعد لكل منا خلالها شاغل سوي الآخر, وأصبحت ازورها في بيتها كلما سافر زوجها وخلا البيت عليها في غياب ابنائها في مدارسهم وتزورني هي من حين لآخر في بيتي الذي أقيم فيه وحيدا بعد زواج كل إخوتي ورحيل أبي وأمي منذ سنوات. إلي أن جاء يوم وفوجئت بها تعرض علي خطة جهنمية, تضمن لنا كما قالت استمرار علاقتنا بلا متاعب إلي أبعد مدي, وتجنبنا شكوك الآخرين في أسباب زياراتي المتكررة لها في بيتها أو زياراتها لي.. أما هذه الخطة فهي أن ارتبط بابنتها ظاهريا.. وأن تشجعها هي علي قبول الخطبة من ناحية المبدأ فتتسع أمامنا الفرصة للاستمرار في علاقتنا الخاصة بلا مشاكل لعدة سنوات لأنها مازالت طالبة بالمرحلة الثانوية.. وقد تنضج الفتاة خلال هذه السنوات وتتجه مشاعرها لزميل لها في الجامعة مثلا أو تكتشف انني لست فتي أحلامها لتعتذر عن عدم إتمام الخطبة والزواج فأتحلل من مشروع الارتباط بها ونفوز نحن وأنا وأمها ببضع سنوات من العلاقة الحميمة بلا متاعب أو ظنون.. فإذا حدث العكس وتعلقت بي الفتاة ورغبت في استكمال المشوار معي الي نهايته فليس ثمة ما يمنع من ذلك, علي أن تتوقف علاقتي بوالدتها عند هذا الحد وتقوم بيننا علاقة المصاهرة! انني اعرف انك تريد الآن ان تمزق هذه الرسالة وتلقي بها في سلة المهملات وانت تلعنني لكني اناشدك ان تستمر في قراءتها حتي النهاية لعلك تجد في خاتمتها ما يخفف بعض غضبك عني.. لقد ألحت علي شريكتي بهذه الخطة.. وفكرت فيها بعض الوقت فلم ار مانعا من تنفيذها, وكلفتها بأن تمهد لي الطريق ففعلت, وحدثت ابنتها عني, وشجعتها علي الترحيب بي, وانتظرنا مجئ أبيها من رحلة عمل له.. وتقدمت اليه طالبا يد ابنته.. فتردد في البداية في القبول بسبب صغر سن ابنته.. لكن شريكتي نجحت في ازالة تردده, وأيدت فكرة الارتباط المبكر لابنتها بشاب ممتاز مثلي لكي يحميها هذا الارتباط من الإغراءات الكثيرة التي تحيط بها نظرا لجمالها الملحوظ وغياب الأب معظم الأوقات.. وذكرت زوجها بأنه قد خطبها وعمرها17 عاما مثل ابنتها وتزوجها وعمرها18 عاما.. فاقتنع الرجل بذلك وأعلن موافقته بعد أن لمس من ابنته ترحيبها بهذا الارتباط. وبالفعل تمت قراءة الفاتحة ثم الخطبة وأصبحت اتردد علي بيت شريكتي بلا حرج, وازدادت فرص اللقاء بيننا كثيرا وأصبح اتصالنا التليفوني بالساعات أمرا علنيا أبدؤه بالحديث مع الفتاة لبعض الوقت ثم تأخذ الأم السماعة وتتحدث معي بحريتها وتدعوني للحضور أو تطلب مني مقابلتها لشراء شئ في وسط المدينة إلخ.. ولم ألحظ أي شك من الفتاة في طبيعة علاقتي بأمها.. ولاحظت علي العكس من ذلك انها سعيدة بي وبالمودة التي تجمع بيني وبين امها وإخوتها وسعدت بذلك في البداية وشعرت بأن كل شئ يمضي كما هو مخطط له تماما, لكني بدأت اشعر فجأة بالذنب تجاه هذه الفتاة البريئة التي اشترك أنا وأمها في خداعها وبالندم علي ما تورطت فيه معها.. ومع امها علي السواء وبدلا من ان يستمر ابتهاجي بنجاح الخطة وجدت نفسي أشعر بالخوف الشديد مما سيحيق بي من غضب ربي لما فعلت وتدهورت اليه من علاقة آثمة مع شريكتي.. وبدأت الهواجس تلاحقني وتفسد علي أوقاتي واعتراني الضيق والاكتئاب ولاحظت انني لم أعد اشعر بالمتعةالتي كنت اشعر بها مع والدتها من قبل.. وانما بالألم والضيق والذنب, كما لاحظت ايضا انها قد اصبحت مهمومة معظم اوقاتها ولم تعد سعيدة ومبتهجة دائما معي كما كانت من قبل ونهضت من نومي ذات ليلة مفزوعا وأنا أشعر كأن أحدا يخنقني, فاستقر عزمي بعد تفكير طويل علي أمر.. وتوجهت للقاء شريكتي وصارحتها بندمي علي ما وصلنا اليه معا ففوجئت بها تقول لي انها تشعر هي الأخري بنفس هذا الندم وتريد ان تفاتحني في ضرورة التوقف عن الاستمرار في الخطأ لأنها لم تعد قادرة علي مواصلته ولا سعيدة به.. واسترحت كثيرا حين سمعت منها ذلك واتفقنا علي وقف اللقاءات الخاصة بيننا, والاستمرار في العلاقة العائلية التي تجمعنا بصفتي خطيبا لابنتها وبصفتها أما لخطيبتي والتزمنا بهذا القرار وبدأ كل منا يصلي ويستغفر الله كثيرا ويندم علي ما بدر منه, واستمرت صلتي العلنية بأسرة خطيبتي كما كانت من قبل وأصبحت ادخل بيت الأسرة وقد تحررت لأول مرة من الإحساس بالإثم والخداع, وأصبحت شريكتي السابقة تقابلني بود واحترام ولا تتطرق الي أي احاديث خاصة بنا لكن هاجسا جديدا بدأ يؤرقني وهو هل يحل لي الزواج من هذه الفتاة بعد خطئي مع أمها أم لا.. وتحرجت من أن أسأل احدا في ذلك خوفا من ان يكتشف الحقيقة.. وتوجهت الي دار الإفتاء بسؤال مكتوب عن جواز ارتباط شاب بفتاة سبق له ان أخطأ مع امها وتوقف عن الخطأ فجاءني الجواب بأن الإمام احمد بن حنبل قد حرم مثل هذا الزواج في حين أباحه الأئمة الثلاثة الآخرون واخذت بالرأي الأخير ومضيت في مشروع الزواج.. وبدأنا نتحدث عن تحديد موعد قريب لعقد القران.. لكني وجدتني بالرغم من ذلك حائرا ومترددا ولا اعرف ماذا ينبغي لي ان افعل.. وهل ارتبط بهذه الفتاة للنهاية واتزوجها.. أم ابتعد عن هذه الأسرة كلها خاصة ان امها كانت قد عرضت علي حتي بعد توقف العلاقة الخاصة بيننا ان تحصل من زوجها علي الطلاق وتتزوجني اذا رغبت انا في ذلك, لكني رفضت هذا الاقتراح بشدة لكيلا اصدم اسرتها وافرق ابناءها الذين ينعمون بحياة عائلية طبيعية بالرغم من كل ما حدث. انني اعرف انني لست موضع احترامك الآن بالمرة لكني اثق انك لن تبخل علي بالرغم من ذلك بالرأي السديد والمشورة ولعله يخفف من حنقك علي ان تعلم ان ما وصلت اليه من تقويم هذه السيدة يستحق الاحترام بالفعل فلقد اصبحت تصلي وترتدي الملابس الطويلة والمحتشمة وتغطي شعرها ولا تتحدث مع احد اطلاقا, ونفس الشئ حدث ايضا للفتاة التي كانت علي وشك ان تتخذ نفس اتجاه الأم قبل ارتباطي بها فعدلت مسار تفكيرها وأصبحت ملتزمة ومحتشمة تماما. والآن بماذا تنصحني ان افعل.. يا سيدي؟ رد الاستاذ / عبد الوهاب مطاوع على كاتب الرسالة لست اريد ان اخوض في نهر الفقه العميق لكي اناقش صحة ما اوردته في رسالتك من موقف الأئمة الأربعة الأجلاء من مثل هذا الزواج المحاط بالشكوك والريب.. لكني اقول لك فقط انك قد أخطأت في النقل عن فتوي دار الإفتاء فيما قلته عن مواقفهم منه فلقد رجعت الي الفتوي رقم1164 من فتاوي دار الإفتاء المصرية والصادرة في عهد الإمام الراحل الشيخ جاد الحق علي جاد الحق يرحمه الله حين كان مفتيا للجمهورية, فوجدت الفتوي في مسألة مشابهة تشير الي انه ليس ابن حنبل وحده رضي الله عنه هو الذي يحرم مثل هذا الزواج.. وإنما يحرمه ايضا فقهاء المذهب الحنفي والثوري والأوزاعي, حيث يثبتون لارتكاب الخطيئة مع الأم ما يحرم بالمصاهرة ويقولون ان من ارتكبها مع امرأة فقد حرمت عليه أمها وابنتها وجدتها وحرمت هي علي ابيه واجداده وان علوا وعلي ابنائه وان نزلوا, في حين اجازه فقهاء الشافعية والمالكية علي كراهته اعتمادا علي انه لا يعتبر في التحريم بالمصاهرة الا النكاح الحلال الذي لا شبهة فيه, فإذا لم يكن كذلك لم تقع به حرمة المصاهرة ولكن يكره مثل هذا النكاح ولا يندب اليه أي لا يكون مفضلا, وبغض النظر عن اختلاف الأئمة الأجلاء في هذا الأمر وكل مصيب كما يقولون فإني أسألك عما يغريك بفتاة صغيرة لم تبلغ الثامنة عشرة من عمرها لكي تسعي للارتباط بها وقد اخطأت من قبل مع أمها.. ولم تكن خطبتك لها من البداية سوي جزء من خطة جهنمية شائنة للتعمية علي علاقتك الآثمة بوالدتها؟ ولماذا تصر علي مخالفة احكام العقل والأخلاق باستمرار وجودك في حياة هذه الفتاة الضحية والظروف المعقدة المحيطة بها قد تنذر باحتمال تجدد العلاقة بينك وبين أمها في أي مرحلة من العمر, بدليل عرضها عليك حتي بعد خطبتك لابنتها وتوقف العلاقة الآثمة بينكما ان تحصل علي الطلاق من زوجها وتتزوجك؟ الا يعني ذلك ان القصة المؤسفة لم تنته كل فصولها بعد.. وان استمرار وجودك بالقرب من هذه السيدة قد يحمل لك نذر تجددها في أي لحظة؟. إن الإنسان ضعيف بطبعه أمام الإغراءات.. والمثيرات ونداءات الغريزة والمغامرة.. وسوابقك الأخلاقية لا توحي بأن استشعارك للندم او استشعار شريكتك له قد يكون كافيا الآن أو في المستقبل القريبلحماية كل منكما من ضعفه تجاه الآخر الي ما لا نهاية.. فلماذا اذن تضع نفسك وتضع هذه السيدة موضع اختبار قد يدوم طوال ارتباطك بابنتها؟ ولماذا لا تنجو بنفسك من حقل الألغام الذي دخلته بقدميك فتحمي هذه الفتاة الصغيرة مما ترشحها له انت وامها من عذاب كعذاب الأساطير الإغريقية حين تكتشف ذات يوم ما كان من امركما معا.. او ما سوف يستجد منه في قادم الأيام؟ ولماذا ايضا لا تعين هذه السيدة علي نفسها بالخروج نهائيا من حياتها, وكفاك وكفاها اثما ما كان من امركما معا.. وما كان من امركما مع هذه الفتاة التي ارتضت لها امها لا سامحها الله أن تتخذها ستارا خادعا لعلاقتها بك, حتي لو أدي ذلك الي استغلالها هذا الاستغلال الدنئ واللعب بعواطفها الغضة بغير شفقة لحساب اهوائها ونزواتها؟ يا إلهي؟ ان من الحيوانات الثديية من قد لا ترضي لفلذات اكبادها بهذا الاستغلال الدنئ, فكيف يرضي به بعض البشر لثمرات قلوبهم؟ إنني لن احدثك عن الحلال والحرام لأنك تعرف جيدا كل ما يمكن ان يقال في ذلك ولكني سأقول لك فقط انه حتي في الخطأ, من الأخطاء ما قد يخفف من بعض وزره انه قد يراعي بعض القوانين الأخلاقية دون بعضها فلا يضاعف مرتكبه من جرمه باستغلال الآخرين أسوأ استغلال ولا يقترب في خطئه بالأذي ممن يأمنون اليه ويعتمدون عليه ويثقون في اخلاص نياته تجاههم, ومن الخطأ كذلك مالا يراعي فيه مرتكبه اي قانون اخلاقي أو حرمة لشئ او شفاعة لصلة رحم او قرابة, فكأنما لا يري فيما يفعل الا نفسه ورغباته وأهواءه مهما ترتب عليها من إيلام وإيذاء للآخرين. وخطأ هذه السيدة في حق ابنتها بوضعك في طريقها لكي تكون ستارا شائنا لعلاقتها الآثمة بك هو من هذا النوع الأخير الذي يضيف الي جرم الخطيئة, خسة خداع اقرب الناس اليها وأحقهم عليها بالحماية من مثل هذا الخداع ولو ضحت هي في سبيل ذلك بكل اهداف الحياة. ولقد قلت مرارا ان الضمير الأخلاقي قد لا يمنعنا في بعض الأحيان من ارتكاب الخطايا.. لكنه يحرمنا بكل تأكيد من الاستمتاع بها, وما حدث لك ولهذه السيدة بعد تورطكما في خداع هذه الابنة.. ونجاح خطتكما الجهنمية في إضفاء الصيغة الملائمة علي وجودك في حياة هذه الأسرة يؤكد ذلك, غير أنني أصارحك بأنني لا أطمئن كثيرا الي الاعتماد علي هذا الوازع الأخلاقي في علاقتك بهذه السيدة.. اذا استمرت صلتك بابنتها وتطورت الي الزواج.. كما انني لا ارشح مثل هذا الزواج الذي لا احسب الا انك تتلمس الآن الذرائع للنكوص عنه, للنجاح والاستمرار بلا مشاكل محزنة.. وأسبابي لذلك هي انك حتي ولو نجحت في الاستمرار في مقاومة نداء تجدد العلاقة بينك وبين هذه السيدة, فإنك لن تنجو غالبا من مؤثرات هذه العلاقة السابقة عليك ورواسبها الأخلاقية في اعماقك في علاقتك بهذه الفتاة في المستقبل.. فلاشك انك رغم اعتزازك بما تقول انك قد نجحت فيه من تقويم هذه السيدة., وتعديل مسار تفكير ابنتها التي كادت تمضي علي درب امها لولا جهدك المشكور في تقويمها! اقول انك لاشك لا تخلو في اعماقك من بعض عدم الاطمئنان الي نوعية القيم الأخلاقية السائدة في الوسط العائلي لهذه السيدة وابنتها, وانك لن تخلو فيما اتصور من بعض الهواجس والظنون في ان تكون لهذه القيم المتساهلة بعض الأثر علي التزامها وسلوكها في المستقبل.. وحتي ولو كانت فتاة طيبة ولا غبار علي أخلاقياتها فإنك قد تظلمها بهواجسك وشكوكك ورواسب علاقتك السابقة بأمها.. وتساؤلاتك عما اذا كان لسوابق امها معك من اثر علي نظرتها للحياة واخلاقياتها في المستقبل.. فلماذا لا تحميها من كل ذلك.. وتدعها لشأنها.. ولها من جمالها وصغر سنها ما قد يرشحها للارتباط بمن لا ينطوي لها علي شئ من مثل هذه الهواجس والظنون! ولماذا لا تبتعد انت عن البوتقة التي تضطرم فيها نيران الشكوك؟.. واحتمالات تجدد العلاقة الآثمة مع الأم.. واحتمال اطلاع الابنة علي علاقتك بأمها.. واحتمال انفجار الموقف كله بفضيحة مدوية وانهيار أسرة بأكملها وتبدأ حياة جديدة ونظيفة وخالية من كل الشوائب مع فتاة لا تربطك بأسرتها مثل هذه الروابط المركبة والمعقدة. انني لا أظن ان هذه الفتاة سوف تخسر الشئ الكثير بفقدها لك.. بل لعلي اقول انها ستربح نفسها وسعادتها في المستقبل اذا نجت من الارتباط بك ومن هذا الزواج الذي يحمل في ثناياه من عوامل الفشل والقلاقل والاضطراب أكثر مما يحمل من عوامل النجاح والاستقرار والأمان. ولقد ركزت حديثي كله علي هذه الفتاة باعتبارها الضحية الأولي للخداع البشع والخطط الجهنمية الآثمة من جانب أمها.. وجانبك, اما الضحية الأخري لهذه القصة وهي والدها فحسابكما, مع خالقكما, لكن أبسط ما تستطيع ان تقدمه له الآن اذا كان مازال لصوت الضمير من أثر عليك هو ان تختفي من حياة ابنته وأسرته وعائلته.. عسي أن يرشحك ذلك مع صدق الندم وصحة العزم للتطهر مما جنيته عليه من قبل.. والسلام.. | |
العتاب المر
| أشعر بالخجل الشديد مما سوف أرويه لك في هذه الرسالة.. لكني آليت علي نفسي ألا أتحرج من ذكر شيء من قصتي لكي ألتمس لديك النصيحة المخلصة.. فأنا سيدة في أواخر الثلاثينيات من عمري جميلة وجامعية وأعمل عملا مرموقا, وقد نشأت في أسرة تسيطر علي مقاديرها الأم..ويذعن فيها الأب الطيب لإرادتها طلبا للسلام العائلي, وإيثارا لسعادة الأبناء علي سعادته.. ومنذ صغري اعتدت مع إخوتي علي تقبل سيطرة أمي قوية الشخصية علي كل شيء في حياتنا, وحين بلغت سن الشباب استجبت لأول شاب ظهر في طريقي.. وانجذبت إليه وأملت في أن أجد فيه الصديق الذي لم أجده في أمي.. وتقدم هذا الشاب لخطبتي فرحب به أبي, واعترضت عليه أمي لغير سبب سوي أن إمكاناته المادية أقل مما يرضي طموحاتها وتهدد المشروع كله بالفشل بسبب عناد أمي وتمسكها برأيها.. وعشت فترة عصيبة من حياتي استعنت خلالها بكل أقاربي علي أمي لكي تلين وتسمح لنا بإعلان الخطبة مع وعود حارة من هذا الشاب بأن يلبي لها كل مطالبها المادية بالتدريج.. فلم تلن إلا بعد أن قبلت قدميها عدة مرات.. ورضخ الشاب لمطالبها, وكتب علي نفسه شيكات بلا رصيد بكل مطالبها.. وزففت إليه بعد أهوال بكيت خلالها كما لم أبك طوال حياتي وكلها بسبب تحكم أمي وإصرارها علي تنفيذ رأيها في كل شيء من تفاصيل الزواج وبدأت حياتي مع زوجي وأنا آمل في أن يعوضني عما عانيته معظم فترات حياتي, فلم تدع لي أمي فرصة للسعادة ـ ومدت مظلة سيطرتها علي وأنا في بيت الزوجية وعلي زوجي.. وبدأت تضغط عليه لسداد ما اعتبرته ديونا عليه من تكاليف الزواج.. وراح هو يستعطفها أن تمنحه بعض الوقت لكي يدبر أموره ويلتقط أنفاسه خاصة أنه يسدد أقساط ديون أخري لبعض الأصدقاء والأهل, فأصبح همنا الأول في الحياة هو أن يعمل أعمالا إضافية وأعمل أنا أيضا عملا إضافيا لكي نوفر في نهاية الشهر ما نسد به فم أمي التي لا تكف عن تقريعنا وتهديد زوجي وكل ذلك وأبي عاجز عن فعل شيء ألا يملك ولا الحوقلة والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم, والمساعدة المادية البسيطة لنا أحيانا في السر لكي نستطيع سداد الأقساط المطلوبة لوالدتي, وتحولت سنوات الزواج الأولي إلي فترة عناء شديد وجفاف أشد, وانتهي الأمر بعد مصادمات عنيفة بين زوجي وأمي إلي أن فقد صبره الطويل وحبه أيضا لي فطلقني وتمت تسوية الأمور المادية بعد عناء كبير ورجعت إلي بيت أمي وفي ذراعي طفل عمره3 سنوات وأنا كارهة لكل شيء واعتبر أمي المسئولة الوحيدة عن هدم بيتي وسعادتي, فانطويت علي نفسي وتجنبت الاصطدام بها بقدر الإمكان وركزت اهتمامي في طفلي وعملي.. وتحملت تقريع أمي المستمر لي ونعيها علي رجوعي إلي الأسرة مطلقة في سن الخامسة والعشرين بسبب خروجي علي إرادتها وعدم استماعي لنصيحتها برفض الزواج من هذا الإنسان.. وعشت عامين كئيبين في بيت أسرتي رفضت خلاله أمي أي محاولة للصلح مع زوجي وازدادت معاناتي مع رحيل أبي عن الحياة وقد كان الصدر الحنون الذي أبكي عليه وأشكو له ويجفف دموعي ولم تمض علي وفاته بضعة شهور حتي جاءتني أمي بزوج مناسب لي وفق شروطها.. وهو رجل قادر ماديا ويعمل عملا مهنيا مرموقا ومطلق وله طفلة صغيرة من زواج سابق وأذعنت هذه المرة لإرادة أمي بلا مقاومة والتقيت به.. فوجدته مقبولا شكلا وموضوعا, لكنه صدمني في أول لقاء معه بأنه يشترط علي ان أسلم طفلي إلي أبيه, ويسلم هو طفلته إلي أمها وألا يزورني طفلي ولا تزوره طفلته في بيت الزوجية لكي نبدأ كما قال حياة سعيدة بلا ذيول من الماضي, ورفضت هذا الشرط خاصة أن زوجي السابق كان قد تزوج ولم يمانع في بقاء طفلي معي حتي نهاية سن الحضانة, واعتذرت عن عدم قبول الزواج إذا كان ثمنه حرماني من طفلي الصغير.. فأحالت أمي حياتي إلي جحيم دائم وضغطت علي بكل جبروتها لكي أقبل هذا الشرط, وقالت لي إن الطفل سوف ينشأ في رعايتها هي وأنني سوف أزوره في كل حين.. وضعفت مقاومتي في النهاية وتزوجت وبدأت حياتي مع زوجي الثاني ونشأ ابني بعيدا عني في بيت والدتي, وتصورت أن عشرتي الطيبة لزوجي سوف تغير من موقفه منه.. فيسمح له بقضاء الإجازات معي.. ويدعو طفلته لقضائها معنا ونسعد معا بحياتنا المشتركة ولكن هيهات أن يلين فلقد ظل رافضا بإصراره ان يزورني طفلي او يبيت ليلة واحدة معنا تحت سقف واحد, وكلما عاتبته في ذلك ذكرني بأنه يتخذ الموقف نفسه من طفلته مع أني حاولت مرارا ان اشجعه علي تقريبها مني وفتح بيتنا لها لأنها ابنته وأخت ابني في النهاية.. وعسي ان يحثه ذلك علي تغيير موقفه من ابني. أما أمي فلقد راحت تبتزني ماديا بلا حرج مقابل بقاء طفلي معها بالرغم من عدم احتياجها المادي.. وبالرغم أيضا من ان زوجي السابق قد التزم بدفع مبلغ شهري عادل لنفقات ابنه.. وكلما تذمرت من مطالبها هددتني بإرساله الي وهي تعلم ماذا يعني ذلك بالنسبة لزوجي. وظلت صلتي بابني مقتصرة علي زياراتي له في بيت أمي من حين لآخر وعلي فترات ليست متقاربة لأن زوجي يضيق بهذه الزيارات الي أن بلغ الرابعة عشرة من عمره, وبدأت المشاحنات بينه وبين امي تتزايد بسبب تمرده علي سيطرتها, وبدأت أعاني مشكلات جديدة لذلك انتهي الأمر بهجر ابني بيت والدتي غاضبا في احدي المرات ولجوئه الي بيت ابيه حيث أقام بضعة شهور شعر خلالها بالغربة.. ورجع بعدها الي بيت أمي ـ واستمرت الحياة هادئة علي السطح لفترة من الوقت الي أن وقعت مشادة جديدة بينه وبين والدتي صفعته خلالها بقوة, فما كان منه إلا أن نظر إليها بغضب صامت, ثم تركها ودخل غرفته واغلق الباب عليه, وجاءت اختي الصغري المتزوجة لزيارة أمها بالمصادفة, وعلمت منها بما حدث وبأنه في غرفته المغلقة منذ اكثر من ساعتين دون ان تقترب منه او تحاول مصالحته, فدخلت عليه لتخفف عنه بكلمة طيبة فإذا بها تجده راقدا علي الفراش مصفر الوجه ويسيل منه العرق ويتقيأ وبجواره عدة أشرطة فارغة من الإسبرين, فصرختواتصلت بالإسعاف ونقلته للمستشفي وكل ذلك وأمي جالسة في مقعدها أمام التليفزيون ترفض التأثر بمثل هذا التهويش الفارغ! وهرولت أنا الي المستشفي فوجدته في حالة إعياء شديدة بعد إجراء غسيل المعدة له وما أن رآني حتي انفجر في البكاء وعاتبني عتابا مرا علي تركي له لرحمة والدتي القاسية.. ومزق قلبي وهو يسألني وهو يبكي عن ذنبه الذي ارتكبه لكي يحرم من أمه.. ومن ابيه.. ويمنع من دخول بيت أمه, ولا يجد الراحة في بيت أبيه وبيت جده مع أنه لا يغضب ربه ويصلي ويصوم ويعامل الجميع بحب واحترام ولا يرتكب اي خطأ ويذاكر وينجح كل سنة ويحبه أساتذته وزملاؤه.. فهطلت دموعي بغزارة وقبلت يده ورأسه وقدمه وغسلتها بدموعي.. واستعطفته أن يسامحني علي تقصيري في حقه فوجدته يقول لي متألما وماذنبك انت يا أمي وأنت غلبانة مثلي ومغلوبة علي أمرك.. وانفجر بركان الغضب في قلبي وأقسمت له أنني لن أدعه لرحمة أحد غيري بعد الآن ولو أدي الأمر لطلاقي من زوجي وأمضيت الليلة معه في المستشفي, وغادره إلي بيت أبيه الذي جاء لرؤيته وأصرعلي ان يصطحبه معه لقضاء فترة النقاهة عنده ووعده بألا يشعر بأي غربة في بيته ورجعت أنا الي بيتي وقد انشرخ شيء داخلي ولم يعد قابلا للإصلاح استعيد صورته وهو يبكي ويسألني عما جناه لكي تقسو عليه أمي ويحرم من دخول بيتي ويعامل كضيف غير مرغوب فيه في بيت أبيه.. فينفجر بركان الغضب في نفسي وأجدني غير قادرة علي النظر في وجه زوجي, الذي حرم علي ابني دخول بيتي وغير قادرة علي مودة امي او سماع كلمة واحدة منها دفاعا عن نفسها.. إن ابني هذا فتي طيب ومنكسر الخاطر وحنون ويخشي ربه ويمنعه دينه وحياؤه من ان يرد علي امي ايه إساءة لكنه فقط لا يتقبل سيطرة أمي الكاملة علي كل شيء في حياته وأوامرها ونواهيها التي لا تنتهي كما كنا نتقبلها نحن, وهي لا تريد ان تفهم أن لكل جيل طباعه وشخصيته المختلفة وان الاستكانة التامة والخنوع الكامل لسلطة ربة الدار ليسا من طبائع هذا الجيل, وقد حدثت زوجي عن حق ابني في زيارتي وقضاء اي فترة يرغبها معي, وعن حق ابنته كذلك في زيارته في بيته وقضاء بعض الوقت معنا, لكي يتقارب الأبنان ويتبادلا المودة والرحمة.. لكنه مازال علي موقفه ويري استمرار الحال علي ما هو عليه تجنبا كما يقول للمتاعب.. ويحاول إقناعي بأنه فعل ذلك لأنه يحبني وبأن هذه الأزمة سوف تمضي الي حال سبيلها كما مضت غيرها من قبل, ومن الأفضل ألا نغير من نظام حياتنا وأنا يا سيدي لم اعد أطيق هذا المنطق.. وقد افتقدت صفاء المشاعر تجاه زوجي واخشي اذا استمر علي موقفه هذا ان نصل معا الي نقطة اللا عودة والانفصال والعودة الي جحيم بيت أمي مع ابني وطفلي الصغيرين من زوجي الحالي.. ولقد اقترب شهر رمضان من نهايته وسيرجع ابني من بيت أبيه بعد عيد الفطر الي بيت جدته بعد ان سامحها علي ما فعلت به لكي يتفرغ لدراسته.. واريد ان اعرف اين الخطأ في موقفي وموقف زوجي من ابني هذا وكيف يمكن علاج الأخطاء قبل ان تسوء النتائج أكثر مما حدث؟. رد الاستاذ / عبد الوهاب مطاوع الخطأ واضح يا سيدتي ولا يحتاج إلي بيان, ويضاعف من أثره أنه خطأ اشتركت فيه عدة أطراف, وتركزت معظم نتائجه السلبية علي طرف أساسي هو هذا الفتي الحائر. ولست أريد أن أرجع للوراء طويلا لأتقصي بداية الخطأ في حق هذا الفتي الذي بدأ بإرهاق والدتك لأبيه وتعنتها معه حتي انتهي الأمر بانهيار زواجك منه وحرمان هذا الابن من حقه المشروع في حياة آمنة بين أبويه, وإنما سأركز حديثي هنا علي البداية المتأخرة للخطأ الأفدح في حقه, وهو اشتراط زوجك الحالي عليك مباعدة ابنك بعد الزواج منه وحرمانه من زيارتك في بيتك ولو لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معك, وقبولك أنت هذا الشرط اللا إنساني بعد مقاومة يسيرة لا تخفف كثيرا من مسئوليتك عن الخطأ حتي ولو وضعنا في الاعتبار ضغوط والدتك عليك وضيقك بجحيم الحياة معها.. فالحق انه شرط بشع ومجاف للرحمة والعدل والدين, ولا يخفف من بشاعته تبرير زوجك له بأنه يشمل كذلك ابنته من زواجه الأول.. بل لعله يضاعف منه ذلك أن الله سبحانه وتعالي قد يسر عليكما فكان من الممكن ان ينشأ هذا الابن الذي لم يعترض أبوه علي استمرارحضانتك له بعد زواجك وتنشأ هذه الابنة كذلك بينكما.. فأعسرتما عليهما معا وبلا ذنب جنياه وباعدتما بينهما وبينكما, وكانت جنايتكما علي هذا الابن أفدح من جنايتكما علي تلك الابنة لأنه كان من حظها ان تنعم بالنشأة بين أحضان امها ورعاية زوج أم رحيم علي حين حرمتما الأبن الآخر من دفء أحضان أمه.. ورعاية الأب الشرعي له.. والأب البديل علي السواء وسلمتماه معا لرعاية الجدة التي قررت انت بحياتك جحيم قسوتها وتسلطها, وكل ذلك بدعوي ان يبدأ زوجك الحالي حياته معك بلا ذيول للماضي طلبا للسعادة والاستقرار! مع أن ذيول الماضي هذه هي نفسها حقيقة من حقائق حياتك وحياته ولا يمكن إنكارها وتجاهلها ولا أمل في السعادة والاستقرار الحقيقيين بغير الاعتراف بها والتعامل معها تعاملا عادلا ومحققا لمصالح الأطراف المختلفة. فإذا كنت قد قبلت بهذا الشرط المؤلم في البداية, وأنت تأملين في أعماقك ان تنجحي بعد حين في إقناع زوجك بالتنازل عنه.. واتصال الصلة بينك وبين ابنك وبينه وبين ابنته, فكيف عجزت طوال السنوات الماضية عن تحقيق هذا الهدف يا سيدتي.. ولماذا استكنت للأمر الواقع بلا مقاومة جادة!. لقد فرض عليك زوجك شرطا مخالفا للشرع والدين والإنسانية وهو ان تباعدي ابنك وتحرميه من زيارتك والاقتراب الوجداني من امه وأخويه وزوج والدته. وبرر لك زوجك ذلك بأنه يطلب السعادة لكما معا ـ فأي سعادة هذه التي لا تتحقق الا بمباعدة ثمرة القلب وإشعارها بالنبذ العاطفي والتجاهل؟ وكيف يمكن تبرير هذه القسوة المعنوي بالحب كما يحاول زوجك إقناعك بأنه مازال يتمسك بموقفه السابق لأنه يحبك ويريد لك السعادة بعد انتهاء هذه العاصفة الأخيرة!. إن الصوفية يقولون لنا إن المحبة هي موافقة المحبوب فيما أمر والانتهاء عما زجر أي موافقته فيما يحب ويرضي وكراهية ما يكره وينهي عنه ولاشك أنك تحبين أن يشعر ابنك بعطف أمه عليه ورعايتها له وحبها له, ولن يتحقق هذا الهدف اذا استمر تمسك زوجك بمباعدتك له.. وحرمانه من حق معايشتك ولو لفترات متقطعة في بيتك وتحت جناحك وبين أخويه, ولا بحرمانك أنت من إشعاره بوجودك في حياته بزيارتك المتكررة له حيث يقيم واتصالك اليومي به إذا تمسك زوجك بهذا الشرط البشع إلي ما لا نهاية, والمشكلة في النهاية ليست مستعصية علي الحل لو صدقت النية واتسع القلب لغير الأنانية والأثرة من جانب زوجك, وإذا كنت قد عجزت في السنوات السابقة عن حمل زوجك علي التنازل عن شرطه فإن ما حدث في الفترة الأخيرة يعد علامة فارقة في علاقتك بابنك هذا وفي حياته أيضا, وهي علامة تتطلب تغيير الاقتناعات المتحجرة لدي زوجك, والتعامل مع هذا الابن بروح جديدة.. فالفتي في أحرج سنوات العمر التي يتعرض فيها الفتية لتغيرات فسيولوجية ونفسية ودورات مزاجية تتراوح بين الانطلاق والانطواء واجترار الأفكار والأحزان فضلا عن تمردهم علي طريق التعامل معهم كأطفال صغار لا ينتظر منهم إلا السمع والطاعة لكل ما يؤمرون به علي طول الخط كما تفعل جدته في التعامل معه الآن متجاهلة طبيعة مرحلة المراهقة التي يمر بها ويتجاهلة أيضا طبيعته كولد التي تختلف عن طبيعة البنت الأقرب للاستكانة والقبول بمثل هذه المعاملة في تلك المرحلة. ولكل هذه الاعتبارات بأن ابنك اشد ما يكون الآن في حاجة نفسية ومعنوية إلي إشعاره بالجدارة والثقة في النفس والاعتزاز به وبوجوده في حياتكما وليس بالنبذ والمباعدة.. ولا يستطيع أحد أن يقوم بهذا الدور التربوي والمعنوي في حياته الآن أكثر من والدته الطبيعية وأبيه الشرعي, فإذا كان الابن راغبا عن الإقامة الدائمة في بيت أبيه, وكان زوجك راغبا عن انضمامه الي أسرته ولو قبل بذلك لأحسن إليك وإلي ابنيه منك والي هذا الفتي والي نفسه قبل الجميع فليس أقل من ان يسقط زوجك شرط التحريم البشع هذا عنه.. وان يتقبل وجوده في حياتك وحياة ابنيه, ويسمح لك بل يشجعك علي زيارته واستزارته في بيتك كلما استشعر الفتي حاجته إلي الدفء العائلي وحنان الأم وصلة الإخوة. ويكفي هذا الفتي ما تعرض له من قبل من نبذ وإبعاد منكما وسوء معاملة من جدته.. وهو الفتي الطيب الذي يخلو قلبه من المرارة والكراهية ويصفح بسهولة عمن أساء إليه ويلتمس لك العذر في مباعدتك له بأنك مغلوبة علي أمرك مثله!. ومثل هذا الفتي يستجيب سريعا لأي بادرة عطف أو حنان يبديها تجاهه من أبعدوه من قبل مثلك ومثل زوجك أو أساءوا معاملته كما فعلت جدته فقولي لزوجك كل ذلك يا سيدتي وذكرته بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق الذي أمرنا سبحانه وتعالي أن نصل أرحامنا ونرعي ثمرات قلوبنا ونحسن إليها ونرعي حدود الله فيها.., وذكريه أيضا بحديث رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه الذي يهدينا إلي ما فيه صلاح أمرنا فيقول لنا الزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم. وليس من حسن الأدب للأبناء أن نشعرهم بالنبذ والإبعاد والتجاهل ولا أن يباعد أب كزوجك بين زوجته وابنته وبين ابنته الكبري من زواج سابق ولا بين زوجته وابنيه وبين ابن معذب لها من تجربة ماضية!. | |
الجمعة، 10 سبتمبر 2010
الواجب الثقيل!
| رسالة جديدة من بريد الجمعة الي كان يشرف عليها الكاتب عبد الوهاب مطاوع رحمة الله عليه لننقل لكم تجارب الاخرين لعلها تفيدكم في حياتكم | |
| أريد أن أكتب لك تجربتي لعلي بذلك أتخفف من بعض مايضيق به صدري.. فأنا رجل في أواخر الثلاثينيات من العمر, نشأت في أسرة لها جذورها الريفية وعاداتها التي تتمسك بها بالرغم من اقامتها بالقاهرة.. ولقد تفتح وعيي للحياة فوجدتني أعيش بين أبي وأمي واخوتي في مسكن بالدور الأول من بيت صغير, وعمي يقيم في الشقة التي تقع أسفل شقتنا بنفس البيت, والعائلتان تتشاركان وتتبادلان المودة وتجمع بينهما دائما أوثق الروابط.. ولم يكن لعمي هذا سوي ابنة وحيدة تصغرني في العمر بسنة واحدة, فسمعت منذ صباي من يقول أمامي إنها عروس المستقبل بالنسبة لي.. فاتجهت إليها مشاعري في بداية الشباب, وبادلتني هي هذه المشاعر باخلاص حتي صار مشروع ارتباطنا بالزواج في المستقبل أمرا مفروغا منه بالنسبة للأسرتين.. وتدرجنا معا في التعليم حتي حصلنا في نفس العام علي الثانوية العامة, فرشحها مجموعها للالتحاق بكلية التجارة.. أما أنا فلم يؤهلني مجموعي سوي للالتحاق بمعهد فني تجاري, فاذا بمشاعري تجاهها تبدأ في التغير ربما بسبب احساسي بالفرق بيني وبينها في مستوي الدراسة, وربما لأسباب أخري لا أعيها جيدا.. المهم أن مشاعري تجاهها قد تغيرت منذ ذلك الحين وبدأت أشعر بأن ارتباطي بها واجب عائلي ثقيل لا أرغب في اتمامه, أما هي فلقد زادت الأيام من ارتباطها بي وحبها لي, وتخرجت في معهدي والتحقت باحدي الادارات الحكومية, وأوشكت ابنة عمي علي التخرج في كليتها, وبدأت الأسرتان تنتظران تحديد الموعد المناسب لاتمام الزواج, ففاجأت أبي برغبتي في فك هذا الارتباط والتحلل منه, لأني لا أري في ابنة عمي صورة فتاة أحلامي التي أريدها لنفسي, ورفض أبي ذلك بشدة وانزعج له كثيرا واتهمني بالرغبة في التفرقة بينه وبين شقيقه والاساءة إلي ابنته الوحيدة, وحدثت بسبب ذلك مشاكل كثيرة بيني وبين أبي وأمي واخوتي, وعلا صوت أبي أكثر من مرة خلال هذه المشاجرات فكان عمي يصعد إلي شقتنا ليفض النزاع بيننا ويتدخل لتهدئة الأمور بالكلمة الطيبة, وينهي أخاه عن أن يعنفني لأنني قد صرت رجلا, فكنت أشعر بالخجل والحيرة في نفس الوقت وأتساءل تري ألم تتطاير بعض الكلمات عن أسباب الخلاف بيني وبين أبي إلي مسكنه في الدور الأسفل؟ وأصر أبي اصرارا شديدا علي ألا أتحلل من ارتباطي بابنة عمي, وتخرجت هي في كليتها وعملت, وبعد عملها بفترة قصيرة رحل والدها عن الحياة موصيا أبي خيرا بوحيدته, فازداد اصرار أبي علي اتمام زواجي منها معتبرا ذلك أمانة سوف يسأل أمام خالقه عن أدائها, وبعد عام من وفاة أبيها تزوجت ابنة عمي التزاما بوعد أبي له برعاية وحيدته, وقياما بالواجب الثقيل الذي فشلت في الافلات منه, وبدأت حياتي معها متأففا وساخطا, ومتحفظا في مشاعري تجاهها وأقمت معها في مسكن أبيها مع والدتها, ومضت الأيام بنا عادية, أعيش معها بلا حماس, ولا مشاكل في نفس الوقت, وتراودني الأماني في أن تضيق هي ذات يوم بفتوري معها فتطلب الطلاق, فيكون الرفض من جانبها وليس من جانبي, لكنها لم تضق بي للأسف, ولم تشكني لأمي أو لأبي, وانما صبرت علي برودي معها, وتسامحت معي دائما, وتعاملت معي برفق وهدوء, ورضيت بكل ما أفعل وكأنه قدر مقدور لايقبل المناقشة, وتأخر الحمل عامين وبدأ الأهل يشعرون بالقلق بسبب ذلك, فكنت لا أتردد في أن أقول للجميع انه لاعيب في, وانني لست مسئولا عن عدم حملها, عسي أن يكون ذلك سببا لطلبها الطلاق, لكنها لم تغضب لذلك, ولم تثر ولم تفصح عن أن زهدي فيها هو السبب الأساسي لعدم الحمل, حيث لم يكن لقائي بها يتعدي بضع مرات في السنة كلها. ثم أذن الله بالحمل, فضقت به ذرعا وتمنيت أن يكون الأخير وأنجبت زوجتي طفلة سعدت بها كثيرا وانشغلت بأمرها عني واسترحت لذلك ثم خطر لي أن أفتعل مشكلة جديدة معها عسي أن تكون هي المشكلة القاضية هذه المرة, وتطلب الطلاق مني, فاعترضت علي عودتها لعملها بعد فترة رعاية المولودة, وخيرتها بين العمل وبين الحياة الزوجية, فاذا بها لاتتردد في التخلي عن عملها والتفرغ للأسرة! ومضت بنا الحياة علي هذا الحال, وعلاقتي بها عادية ولا مشاكل ولا مشاجرات ولا خلافات بيننا, لكني بعيد عنها بمشاعري وأفكاري وخواطري, وبعيد عنها أيضا عاطفيا وجسديا, فلاحظت أنها تكثر من الصوم والصلاة, حتي لتصوم يوما وتفطر يوما معظم أيام السنة, وتقوم الليل, ولا تتواني بالرغم من ذلك عن تلبية احتياجاتي اذا رغبت فيها.. وبسبب قلة لقاءاتنا الزوجية التي لم تزد بعد الولادة علي أربع مرات كل سنة, فإن الحمل لم يتكرر مرة أخري وبدأ أهلي يعبرون عن أمنيتهم في أن أنجب لطفلتي أخا أو أختا, وتحدثوا إليها في ذلك فلم تشك بعدي عنها وانما التزمت الصمت, وشاركتهم أمنيتهم الغالية, وألح علي والدي في الانجاب مرة أخري, فاتجهنا إلي الطبيب وبعد الفحوص المألوفة سألني عن طبيعة علاقتي بزوجتي فزعمت له علي استحياء أنني دائم السفر ولا أرجع إلي بيتي إلا لبضعة أيام كل عدة شهور, فطمأننا إلي أنه ليست هناك موانع تحول دون تكرار الحمل وحدد لنا مواعيد اللقاءات المناسبة له, وحدث الحمل بالفعل فاعتبرت أنني قد أديت واجبي الإنساني تجاهها ورجعت إلي سابق تجاهلي لها, وتابعت هي الحمل مع طبيب خاص, فتعجب لارتفاع ضغطها مع عدم وجود سبب عضوي لذلك, ونصحها بتجنب القلق والتوتر في حياتها لكيلا يؤثر الضغط المرتفع علي الجنين, وعملت هي بنصيحته فطلبت مني أن تنتقل هي ووالدتها للاقامة مع والدتي في الشقة العليا وأن أقيم أنا مع شقيقتي الصغري التي لم تتزوج بعد في مسكن الزوجية حتي موعد الولادة, فتحظي بذلك بعناية والدتها ووالدتي, وتتجنب من ناحية أخري أسباب القلق والتوتر التي ترفع ضغطها خلال شهور الحمل, واسترحت لهذا الحل الذي سيتيح لي أن أعيش منفردا لمدة4 أشهر, ومضت الأيام بنا وأنا مشغول بأمري عنها وهي مشغولة بأمرها وبطفلتها إلي أن احتجت منذ فترة قصيرة إلي وثيقة عقد القران لكي أقدم صورة منها مع طلب الحصول علي مسكن مستقل في مشروع الاسكان للمتزوجين الذين يقيمون مع أسرهم, فأرسلت لي زوجتي من الدور العلوي مفتاحا لدرج مغلق دائما في تسريحتها وتحتفظ فيه بأوراقها المهمة ومنها وثيقة الزواج, وفتحت هذا الدرج المغلق وأخرجت الوثيقة لكني وجدت إلي جوارها أوراقا كثيرة بخط يد زوجتي علي هيئة رسائل أو كتابات, فدفعني الفضول بل وسوء الظن أيضا من أثر ما أقرؤه عن خيانة بعض الزوجات, لقراءة هذه الأوراق, خاصة أن ظروفها قد ترشحها لذلك بسبب فتوري معها وزهدي فيها, فقرأت هذه الأوراق في وجل واضطراب فاذا بي أجدها عبارة عن كتابات وشكاوي طويلة ومريرة إلي الله سبحانه وتعالي من حالي معها.. وجفائي لها وفتور مشاعري تجاهها بالرغم مما تحمله لي من حب كبير عجزت رغم مرور السنين عن أن تتخفف منه أو تقتله في نفسها, وكانت تختتم شكاواها في كل رسالة بالآية الكريمة وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.. معترفة بذلك بظلمها لنفسها بحبها لي منذ صباها واحتفاظها بهذا الحب بالرغم مما أبديه نحوها من جفاء وفتور وتجاهل, حتي أنها لاترجو من ربها شيئا إلا أن يزوجها لي في الآخرة بعد أن أكون قد تخلصت من أخلاق البشر في الدنيا.. وعرفت الحب والعطاء والاخلاص لمن يحبني, فتظفر معي في الدار الآخرة بالسعادة التي حرمتها منها في الدنيا! وذهلت لما قرأته, وتساءلت خجلا ومضطربا: أبعد كل مافعلته بها لاتريد زوجا لها سواي في الدنيا وفي الآخرة؟ ثم قرأت في صفحات أخري من أوراقها حديثا مؤلما عما تعانيه عن احتياجاتها العاطفية والحسية وما تحس به من حرمان منها, وكيف تستعين علي ذلك بالصوم والصلاة أكثر أيامها وكأنها امرأة غير متزوجة!! وقرأت في رسالة أخري عن أملها في أن ينصلح حالي ذات يوم, وعن سعادتها بالرغم من عدم اهتمامي بها بأنني لا أهتم بامرأة أخري غيرها, ولا أخونها, وهذا هو الشيء الوحيد الذي قدمته لها بالفعل منذ تزوجتها. وقرأت في رسالة ثانية عن حيرتها فيما تفعل لكي تقربني منها وتساؤلها الممرور: تري هل تدهن نفسها عسلا لكي تجتذبني إليها؟.. وماذا يكون الحال لو تذرعت أنا حينذاك بأنني لا أحب العسل؟ وقرأت وقرأت وقرأت.. واكتشفت كم هي رقيقة المشاعر وأنا الذي أتهمها في جهلي بالتبلد وعدم الاحساس بأي شيء! وجلست بعدها لفترة طويلة أراجع شريط حياتي معها منذ عرفتها, وتذكرت في غمار ذلك أنني منذ انتقلت إلي الحياة معها في هذه الشقة السفلية قد اكتشفت من الأيام الأولي أنني أسمع بغير تعمد من جانبي أية أصوات مرتفعة قليلا تتردد في مسكن أسرتي بالدور العلوي, وأدركت أن كل مادار بيني وبين أبي من مشاجرات بسبب رفضي الزواج من ابنة عمي قد تسرب إلي الشقة السفلية وعلمت به زوجتي في حينه وعلم به أيضا عمي وزوجته, ومع ذلك فلم ترغب عني ولم ترفضني, وتزوجتني وعاشت معي كل هذه السنوات وهي علي علم بموقفي السابق منها, وشعرت بالخجل والأسف, وبعد تفكير طويل نهضت من مجلسي صاعدا إلي الشقة العليا, وطلبت من زوجتي في حزم وحنان الدنيا كله في صوتي وعيني أن ترجع للاقامة معي في عش الزوجية لأني أريد رعايتها بنفسي في فترة حملها, وأريد أن تكون إلي جواري دائما هي وطفلتي وسعدت زوجتي بهذه الرغبة كثيرا وطفر الدمع من عينيها, ونهضت علي الفور تجمع حاجياتها وتستعد للعودة لبيتنا بالرغم من تحذير الطبيب لها من بذل أي مجهود, ولم تستمع لنصيحة والدتي لها بالصبر حتي الصباح لكي تتمكن من جمع أشيائها بغير عجلة.. وعادت زوجتي إلي بيتها ووجدتني أحبها كما كنت أحبها في صباي, وقبل أن يركبني العناد والشيطان ويزهدانني فيها.. انني لم أكرهها أبدا ياسيدي وأرجو أن تصدقني في ذلك, لكني فقط كنت أشعر بالفتور تجاهها, وقد تخلصت من هذا الفتور الآن والحمد لله وتغيرت معاملتي لها تماما بعد هذا اليوم, وأصبحت الآن أستعجل الساعة لكي تنقضي مواعيد العمل وأرجع إلي زوجتي وأهتم بها, وبصحتها, وبحياتي معها.. وانني أكتب إليك لأسألك كيف أستطيع تعويضها عن سنوات الجهل والحمق والجفاء التي عاشتها معي صابرة بلا شكوي إلاإلي ربها.. وهل يتسع العمر لإصلاح كل ما ارتكبته من أخطاء في حقها.. وكيف تفسر ماشهدته مشاعري تجاهها من تحولات من الحب في الصبا وبداية الشباب إلي الفتور والضيق والتأفف في سنوات الزواج إلي الحب والعطف والحنان من جديد وبعد أن قرأت أوراقها؟ رد الاستاذ عبد الوهاب مطاوع على الرسالة يخيل إلي في بعض الأحيان أن بعض البشر يحتاجون أحيانا إلي أن ترغمهم بعض أحداث الحياة علي اكتشاف الحظ الطيب الذي خصتهم به أقدارهم دون غيرهم, وعلي الاحتفاء بالسعادة التي ينعمون بها بالفعل بغير أن يدركوا ذلك.. غير أن بعض هؤلاء قد يتمادون في البطر العاطفي والنفسي فلا يتاح لهم اكتشاف ثروة السعادة التي خصتهم بها السماء إلابعد فقدها.. فيعجبون حينذاك لأنفسهم كيف لم يعرفوا لها قدرها ولم يستمتعوا بكل لحظة من لحظاتها حين كانت بين أيديهم.. وينوح نائحهم مع قيس بن ذريح في بكائياته لفقد لبني: إلي الله أشكو فقد لبني كما شكا إلي الله فقد الوالدين يتيم وبعضهم قد تترفق بهم أقدارهم فيكتشفون جوائز السماء التي لم يقدروها من قبل حق قدرها وهي مازالت بين أيديهم, وفي العمر متسع لتعويض التقصير في الشكر والعرفان وإصلاح الأخطاء.. ولا شك أنك من أصحاب الحظ الطيب في الحياة ليس فقط لأن الأقدار قد وهبتك هذه الزوجة المتبتلة في حبك والصابرة علي جفائك لها علي مر السنين.. وانما أيضا لأنك قد أدركت هبة السعادة قبل أن تفلت من يديك ويتعذر إعادة مياه النهر إلي مصبها من جديد. فاشكر ربك كثيرا علي ما أتيح لك من حظ موفق في الحياة. واشكر أقدارك كثيرا وكثيرا علي أن أدركت الفرصة قبل فوات الأوان, وحاول بكل جهدك أن تعوض زوجتك الصابرة عن حرمانها السابق مما تستحقه من حب مكافيء لحبها لك وعطاء مماثل لنهر عطائها الدافق إليك.. فاذا كنت تسألني عن تفسيري لتضارب مشاعرك تجاهها بين الحب ثم النفور.. ثم اشتعال شرارة الحب من جديد.. فلعلي أجيبك علي ذلك بأنك قد أحببتها في البداية وأنت في فترة المراهقة التي تتسم عادة بعدم ثبات المشاعر وقلقها, ثم ارتبط حبها لديك تدريجيا ومع بداية التحولات العاطفية التي تلي غالبا فترة المراهقة وأحاسيسها غير الناضجة, بمفهوم الواجب العائلي الذي ينبغي عليك أداؤه وإلاانفرط عقد الأسرتين وتحملت وزر ذلك في نظر أبيك واخوتك, فتحولت مشاعر الحب لديك تجاهها إلي الفتور والرغبة في التهرب من أداء هذا الواجب الذي لا مفر من أدائه, ولو كان والدك قد تظاهر بالاستجابة لرغبتك وقتها في عدم الارتباط بابنة عمك, وترك لك حرية الاختيار دون الالحاح عليك بمفهوم الواجب العائلي وتبعاته, لجلت جولتك في الحياة لفترة قصيرة متحررا من الاحساس بقيد هذا الواجب علي ارادتك, ثم اخترت نفس هذه الفتاة التي أحببتها في بداية الشباب, وأحبتك, ولكان اختيارك لها علي هذا النحو اختيارا عاطفيا ونابعا من مشاعرك ورغبتك فيها, وليس صادرا عن الالتزام القهري بواجب يكبل ارادتك, وهذا الفارق بين الاختيار الحر والالزام الجبري بدعوي الواجب. فالواجب ثقيل علي النفس بطبعه, والاختيار الحر طائر مغرد بلا قيود ولا أصفاد. ولهذا فلقد بدأت حياتك الزوجية مع ابنة عمك باحساس من ينفذ حكم القضاء العائلي فيه وليس باحساس من اختار شريكة حياته بملء ارادته واختياره, فصبغ ذلك حياتك معها بالفتور والجفاء والبرود.. فاذا كانت زوجتك المحبة قد تحملت أقدارها صابرة وتعلقت بالأمل فيك إلي النهاية, فلأن مشاعرها التي بدأت أيضا في فترة المراهقة قد صمدت للتحولات العاطفية التي تشهدها المشاعر في هذه الفترة فيما يمثل الاستثناء من القاعدة, فأصبح حب العمر الذي اختلط بكيانها وأفكارها وحياتها ومشاعرها, وارتبط كل ذلك لديها بالانكسار العاطفي تجاهك, وبالانكسار الإنساني الذي عايشته بيتمها ووحدتها وقلة حيلتها.. واعتبارها لك السند الأول لها في الحياة من بعد والدها, ولعل ذلك يفسر لك امتزاج الحب لديها بالحسرة والأنين والأمل المحروم والشكوي المريرة إلي الله سبحانه وتعالي من ظلمها لنفسها بهذا الحب الذي لم يلق ممن تحب سوي الجفاء والنكران.. أما أنت فإن شرارة الحب في نفسك تجاهها لم تولد من فراغ في تقديري وأغلب الظن أن زوجتك كانت هي أيضا الحب الوحيد في حياتك بدليل اخلاصك لها بالرغم من فتور مشاعرك تجاهها.. ويخيل إلي أن قبسا من المشاعر تجاهها كان موجودا لديك لكنه خامد ولم يجد لديك الدافع لرعايته وتجديده والقاء شحنات جديدة من الخشب إلي ناره لكي تظل مشتعلة, ربما بسبب فتور عام لديك في المشاعر, وربما لاطمئنانك إلي حب زوجتك لك وتمسكها بك في كل الأحوال, غير أن الحب في النهاية كلهب المدفأة يتراقص كلما استقبل دفعة جديدة من الأخشاب.. ويخبو حتي تذوي جذوته اذا أهمله صاحبه, فيظل الرماد في بعض الأحيان دافئا ومستعدا للاشتعال من جديد اذا وجد الرعاية اللازمة, وهذا ما حدث لك حين تلقي رماد حبك القديم شحنة جديدة من أوراق زوجتك الناطقة بالحب والاخلاص والأمنيات الحسيرة.. فحافظ ياصديقي علي نار مدفأتك مشتعلة علي الدوام.. وانعم بما سخت عليك به الحياة من عطاء وأمان.. والسلام.. | |
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)